أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
246
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأصل « يعتدون » يعتديون ، ففعل به ما فعل ب « يتقون » « 1 » من الحذف والإعلال وقد تقدّم ، فوزنه يفتعون . والواو من « عصوا » واجبة الإدغام في الواو بعدها لانفتاح ما قبلها ، فليس فيها مدّ يمنع من الإدغام ، ومثله : فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا « 2 » وهذا بخلاف ما إذا انضمّ ما قبل الواو ، فإنّ المدّ يقوم مقام الحاجز بين المثلين فيجب الإظهار ، نحو آمَنُوا وَعَمِلُوا « 3 » ومثله : « الَّذِي يُوَسْوِسُ » « 4 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 62 إلى 64 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 63 ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) قوله تعالى : مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . . « من » يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون شرطيّة في محلّ رفع بالابتداء ، و « آمن » مجزوم بها تقديرا وهو الخبر على الصحيح حسبما تقدّم الخلاف فيه . وقوله : « فلهم » جواب الشرط ، وهذه الجملة الشرطية في محل رفع خبرا ل « إنّ » في قوله : إنّ الذين آمنوا ، والعائد محذوف تقديره : من آمن منهم ، كما صرّح به في موضع آخر « 5 » . والثاني : أن تكون موصولة بمعنى الذي ومحلّها حينئذ النصب على البدل من اسم « إنّ » وهو « الذين » بدل بعض من كلّ ، والعائد أيضا محذوف كما تقدم ، و « آمن » صلتها ، فلا محلّ له حينئذ . قوله : فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ خبر « إنّ الذين » ، ودخلت الفاء لأن الموصول يشبه الشرط ، وهذا عند غير الأخفش ، وأمّا الأخفش فنقل عنه أنّه إذا نسخ المبتدأ ب « إنّ » يمتنع ذلك فيه ، فمحلّ قوله « فلهم أجرهم » رفع على هذا القول ، وجزم على القول الأول ، و « لهم » خبر مقدّم متعلق بمحذوف ، و « أجرهم » مبتدأ ، ويجوز عند الأخفش أن يكون فاعلا بالجارّ قبله وإن لم يعتمد ، وقد تقدّم ذكر الخلاف في ذلك . قوله : عِنْدَ رَبِّهِمْ « عند » ظرف مكان لازم الإضافة لفظا ومعنى ، والعامل فيه الاستقرار الذي تضمّنه « لهم » ، ويجوز أن يكون في محلّ نصب على الحال من « أجرهم » فيتعلّق بمحذوف تقديره : فلهم أجرهم ثابتا عند ربهم . والعنديّة مجاز لتعاليه عن الجهة ، وقد تخرج إلى ظرف الزمان إذا كان مظروفها معنى ، ومنه قوله عليه السّلام : « إنما الصبر عند الصّدمة الأولى » « 6 » والمشهور كسر عينها ، وقد تفتح وقد تضمّ . والذين هادوا هم اليهود ، وهادوا في ألفه قولان :
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 21 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 20 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 25 ) . ( 4 ) سورة الناس ، آية ( 4 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 126 ) . ( 6 ) أخرجه ( 2 / 100 ) ، ومسلم في الجنائز ( 15 ) ، وأبو داود في الجنائز باب ( 27 ) ، وابن ماجة ( 1596 ) .