أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

245

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

على الأول وأصل بنفسها على الثاني ، فهو فعيل بمعنى فاعل أي : ظاهر مرتفع ، أو بمعنى مفعول أي : رفعه اللّه على خلقه ، أو يكون مأخوذا من النبيّ الذي هو الطريق ، وذلك أن النبيّ طريق اللّه إلى خلقه ، به يتوصّلون إلى معرفة خالقهم ، وقال الشاعر : 514 - لمّا وردن نبيّا واستتبّ بنا * مسحنفر كخطوط النّسج منسحل « 1 » أي : طريقا ، وقال : 515 - لأصبح رتما دقاق الحصى * مكان النّبيّ من الكاثب « 2 » الرّتم بالتاء المثنّاة والمثلثة جميعا : الكسر ، والكاثب بالمثلثة اسم جبل ، وقالوا في تحقير نبوّة مسيلمة : نبيّئة . وقالوا : جمعه على أنبياء قياس مطّرد في فعيل المعتلّ نحو : وليّ وأولياء وصفيّ وأصفياء . وأمّا قالون فإنما ترك الهمز في الموضعين المذكورين لمدرك آخر ، وهو أنه من أصله في اجتماع الهمزتين من كلمتين إذا كانتا مكسورتين أن تسهّل الأولى ، إلا أن يقع قبلها حرف مدّ فتبدل وتدغم ، فلزمه أن يفعل هنا ما فعل في « بِالسُّوءِ إِلَّا » « 3 » من الإبدال والإدغام ، 7 لّا أنه روي عنه اختلاف في « بالسوء إلّا » ولم يرو عنه هنا خلاف ، كأنه التزم البدل لكثرة الاستعمال في هذه اللفظة وبابها ، ففي التحقيق لم يترك همز « النبيّ » بل همزه ولمّا همزه أدّاه قياس تخفيفه إلى ذلك ، ويدلّ على هذا الاعتبار أنّه إنما يفعل ذلك حيث يصل ، أمّا إذا وقف فإنّه يهمزه في الموضعتين لزوال السبب المذكور فهو تارك للهمز لفظا آت به تقديرا . قوله تعالى : « بِغَيْرِ الْحَقِّ » في محلّ نصب على الحال من فاعل « يقتلون » تقديره : يقتلونهم مبطلين ، ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره : قتلا كائنا بغير الحق ، فيتعلّق بمحذوف . قال الزمخشري : « قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحقّ ، فما فائدة ذكره ؟ وأجاب بأنّ معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض حتى يقتلوا ، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقّون به القتل عندهم » وقيل : إنما خرج وصفهم بذلك مخرج الصفة لقتلهم بأنه ظلم في حقهم لاحق ، وهو أبلغ في الشّناعة والتعظيم لذنوبهم . قوله : ذلِكَ بِما عَصَوْا مثل ما تقدّم . وفي تكرير اسم الإشارة قولان : أحدهما : أنه مشار به إلى ما أشير بالأول إليه على سبيل التأكيد . والثاني ما قاله الزمخشري : وهو أن يشار به إلى الكفر وقتل الأنبياء ، على معنى أنّ ذلك بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنّهم انهمكوا فيهما » . و « ما » مصدرية والباء للسببيّة ، أي بسبب عصيانهم ، فلا محلّ ل « عصوا » لوقوعه صلة ، وأصل عصوا عصيوا ، تحرّكت الياء وانفتح ما قبلها ، قلبت ألفا ، فالتقى ساكنان هي والواو ، فحذفت لكونها أوّل الساكنين ، وبقيت الفتحة تدلّ عليها فوزنه فعوا . « وكانوا يعتدون » في محلّ نصب خبرا ل « كان » ، وكان ما بعدها عطف على صلة « ما » المصدرية . وأصل العصيان : الشّدّة ، اعتصت النّواة : اشتدّت ، والاعتداء المجاوزة من عدا يعدو ، فهو افتعال منه ، ولم يذكر متعلّق العصيان والاعتداء ليعمّ كلّ ما يعصى ويعتدى فيه .

--> ( 1 ) البيت للقطامي انظر ديوانه ( 4 ) ، وهو من شواهد البحر ( 1 / 220 ) . ( 2 ) البيت لأوس بن حجر انظر ديوانه ( 11 ) ، اللسان « كثب » . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 53 ) .