أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
219
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قال الزمخشري : « وأصله من سام السّلعة إذا طلبها ، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه » ، وقيل : أصل السّوم الدّوام ، ومنه : سائمة الغنم لمداومتها الرّعي . والمعنى : يديمون تعذيبكم ، وسوء العذاب أشدّه وأفظعه وإن كان كلّه سيئا ، كأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره . والسوء : كلّ ما يعمّ الإنسان من أمر دنيوي وأخروي ، وهو في الأصل مصدر ، ويؤنّث بالألف ، قال تعالى : أَساؤُا السُّواى . وأجاز بعضهم أن يكون « سوء » نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : يسومونكم سوما سيئا كذا قدّره ، وقال أيضا : « ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب » ، كأنه يريد بذلك أنه منصوب على نوع المصدر ، نحو : « قعد جلوسا » ، لأن سوء العذاب نوع من السّوم . قوله تعالى : « يُذَبِّحُونَ » هذه الجملة يحتمل أن تكون مفسّرة للجملة قبلها ، وتفسيرها لها على وجهين : أحدهما أن تكون مستأنفة ، فلا محلّ لها حينئذ من الإعرابه ، كأنه قيل : كيف كان سومهم العذاب ؟ فقيل : يذبّحون . والثاني : أن تكون بدلا منها كقوله : 453 - متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا « 1 » * . . . « وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ » « 2 » ، ولذلك ترك العاطف ، ويحتمل أن تكون حالا ثانية ، لا على أنها بدل من الأولى ، وذلك على رأي من يجوّز تعدّد الحال . وقد منع أبو البقاء هذا الوجه محتجّا بأنّ الحال تشبه المفعول به ولا يعمل العامل في مفعولين على هذا الوصف ، وهذا بناء منه على أحد القولين ، ويحتمل أن يكون حالا من فاعل « يَسُومُونَكُمْ » . وقرئ : « يذبحون » « 3 » بالتخفيف ، والأولى قراءة الجماعة لأنّ الذبح متكرّر . فإن قيل : لم لم يؤت هنا بواو العطف ، كما أتي بها في سورة إبراهيم « 4 » ؟ فالجواب أنه أريد هنا التفسير كما تقدّم ، وفي سورة إبراهيم معناه : يعذّبونكم بالذّبح وبغير الذبح . وقيل : يجوز أن تكون الواو زائدة فتكون كآية البقرة ، واستدلّ هذا القائل على زيادة الواو بقوله : 454 - فلمّا أجزنا ساحة الحّي وانتحى « 5 » * . . . وقوله : 455 - إلى الملك القرم وابن الهمام « 6 » * . . . والجواب الأول هو الأصحّ . والذّبح : أصله الشّقّ ، ومنه : « المذابح » لأخاديد السيول في الأرض . و « أبناء » جمع ابن ، رجع به إلى
--> ( 1 ) تقدم وهو لعبد اللّه بن الحر الجعفي . ( 2 ) سورة الفرقان ، آية ( 68 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 1 / 193 ) . ( 4 ) آية رقم ( 6 ) . ( 5 ) صدر بيت لامرئ القيس من معلقته المشهورة وعجزه : . . . * بنا يطن حقف ذي ركام عقنقل انظر ديوانه ( 41 ) ، الإنصاف ( 2 / 457 ) ، الأزهية ( 224 ) ، الصاحبي ( 158 ) ، تأويل المشكل ( 253 ) ، الخزانة ( 11 / 43 ) ، المنصف ( 3 / 41 ) ، معاني الفراء ( 2 / 50 ) ، البحر المحيط ( 5 / 287 ) ، التهذيب « جئز » ( 11 / 148 ) ، اللسان جوز . ( 6 ) تقدم وانظر الخزانة ( 1 / 216 ) .