أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

220

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أصله ، فردّت لامه ، إمّا الواو أو الياء حسبما تقدّم . والأصل : « أبناو » أو « أبناي » ، فأبدل حرف العلة همزة لتطرّفه بعد ألف زائدة ، والمراد بهم الأطفال ، وقيل : الرجال ، وعبّر عنهم بالأبناء اعتبارا بما كانوا . قوله : وَيَسْتَحْيُونَ عطف على ما قبله ، وأصله : يستحييون ، فاعلّ بحذف الياء بعد حذف حركتها وقد تقدّم بيانه ، فوزنه يستفعون . والمراد بالنساء الأطفال ، وإنما عبّر عنه بالنساء لمآلهنّ إلى ذلك . وقيل : المراد غير الأطفال ، كما قيل في الأبناء . ولام النساء الظاهر أنّها من واو لظهورها في مرادفه وهو نسوان ونسوة ، ويحتمل أن تكون ياء اشتقاقا من النّسيان ، وهل نساء جمع نسوة أو جمع امرأة من حيث المعنى ؟ قولان . قوله : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ الجارّ خبر مقدّم ، و « بلاء » متبدأ . ولامه واو لظهورها في الفعل نحو : بلوته ، أبلوه ، « ولنبلونّكم » ، فأبدلت همزة . والبلاء يكون في الخير والشرّ ، قال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « 1 » . لأنّ الابتلاء امتحان فيمتحن اللّه عباده بالخير ليشكروا ، وبالشرّ ليصبروا ، وقال ابن كيسان : « أبلاه وبلاه في الخير » وأنشد : 456 - جزى اللّه بالخيرات ما فعلا بكم * وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو « 2 » فجمع بين اللغتين ، وقيل : الأكثر في الخير أبليته ، وفي الشرّ بلوته ، وفي الاختبار ابتليته وبلوته ، قال النحاس : « فاسم الإشارة من قوله : « وفي ذلكم » يجوز أن يكون إشارة إلى الإنجاء « وهو خير محبوب ، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذّبح ، وهو شرّ مكروه » . وقال الزمخشري : « والبلاء : المحنة إن أشير ب « ذلك » إلى صنيع فرعون ، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء » ، وهو حسن . وقال ابن عطية : « ذلكم » إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خير فهو كمفرد حاضر ، كأنه يريد أنه أشير به إلى مجموع الأمرين من الإنجاء والذبح ، ولهذا قال بعده : « ويكون البلاء في الخير والشر » وهذا غير بعيد ، ومثله : 457 - إنّ للخير وللشّرّ مدى * وكلا ذلك وجه وقبل « 3 » و « من ربكم » متعلق ب « بلاء » ، و « من » لابتداء الغاية مجازا . وقال أبو البقاء : « هو رفع صفة ل « بلاء » فيتعلّق بمحذوف » وفي هذا نظر ، من حيث إنه إذا اجتمع صفتان ، إحداهما صريحة والأخرى مؤوّلة قدّمت الصريحة ، حتى إنّ بعض الناس يجعل ما سواه ضرورة . و « عظيم » صفة ل « بلاء » وقد تقدّم معناه مستوفى في أول السورة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 50 إلى 51 ] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 )

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، آية ( 35 ) . ( 2 ) البيت لزهير انظر ديوانه ( 109 ) ، معاني القرآن للزجاج ( 1 / 102 ) ، الطبري ( 2 / 49 ) ، الكشاف ( 4 / 487 ) . ( 3 ) البيت لعبد اللّه بن الزبعري من قصيدة قالها يوم أحد انظر أوضح المسالك ( 1 / 393 ) ، الأشموني ( 2 / 260 ) ، شرح ابن عقيل ( 2 / 62 ) ، الدرر ( 2 / 60 ) ، الهمع ( 2 / 5 ) ، التصريح ( 2 / 43 ) ، المغني ( 1 / 203 ) ، شرح المفصل ( 3 / 2 ) .