أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
203
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
406 - لا أرى من يعينني في حياتي * غير نفسي إلا بني إسرال « 1 » وتروى قراءة عن نافع . و « إسرائين » أبدلوا من اللام نونا كأصيلان في أصيلال ، قال : 407 - قالت وكنت رجلا فطينا * هذا - وربّ البيت - إسرائينا « 2 » ويجمع على « أساريل » . وأجاز الكوفيون : أسارلة ، وأسارل ، كأنهم يجيزون التعويض وعدمه ، نحو : فرازنة وفرازين . قال الصفّار « 3 » : « لا نعلم أحدا يجيز حذف الهمزة من أوّله » . قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اذكروا فعل وفاعل ، ونعمتي مفعول ، وقال ابن الأنباري : « لا بدّ من حذف مضاف تقديره : شكر نعمتي . والذّكر والذّكر بكسر الذال وضمّها بمعنى واحد ، ويكونان باللسان وبالجنان . وقال الكسائي : « هو بالكسر للّسان وبالضمّ للقلب » فضدّ المكسور : الصمت ، وضدّ المضموم : النّسيان ، وفي الجملة فالذكر الذي محلّه القلب ضدّه النسيان ، والذي محلّه اللسان ضدّه الصمت ، سواء قيل : إنهما بمعنى واحد أم لا . والنّعمة : اسم لما ينعم به وهي شبيهة بفعل بمعنى مفعول نحو : ذبح ورعي ، والمراد بها الجمع لأنها اسم جنس ، قال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 4 » . و « التي أنعمت » صفتها والعائد محذوف . فإن قيل : من شرط حذف عائد الموصول إذا كان مجرورا أن يجرّ الموصول بمثل ذلك الحرف وأن يتّحد متعلّقهما ، وهنا قد فقد الشرطان ، فإنّ الأصل : التي أنعمت بها ، فالجواب أنه إنما حذف بعد أن صار منصوبا بحذف حرف الجرّ اتساعا فبقي : أنعمتها ، وهو نظير : كَالَّذِي خاضُوا « 5 » في أحد الأوجه ، وسيأتي تحقيقه إن شاء اللّه تعالى . و « عليكم » متعلّق به ، وأتى ب « على » دلالة على شمول النعمة لهم . قوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي هذه جملة أمرية عطف على الأمريّة قبلها ، ويقال : أوفى ووفى ووفّى مشدّدا ومخففا ، ثلاث لغات بمعنى ، قال الشاعر : 408 - أمّا ابن طوق فقد أوفى بذمّته * كما وفى بقلاص النّجم حاديها « 6 » فجمع بين اللغتين . ويقال : أوفيت ووفيت بالعهد وأوفيت الكيل لا غير . وعن بعضهم أنّ اللغات الثلاث واردة في القرآن ، أمّا « أوفى » فكهذه الآية ، وأمّا « وفّى » بالتشديد فكقوله : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى « 7 » ، وأمّا « وفى » بالتخفيف فلم يصرّح به ، وإنما أخذ من قوله تعالى : « وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ » « 8 » ، وذلك أنّ أفعل التفضيل لا يبنى إلا من الثلاثي كالتعجّب هذا هو المشهور ، وإن كان في المسألة كلام كثير ، ويحكى أن المستنبط لذلك أبو القاسم الشاطبي « 9 » ، ويجيء « أوفى » بمعنى ارتفع ، قال :
--> ( 1 ) البيت لأمية بن أبي الصلت انظر ديوانه ( 51 ) ، البحر ( 1 / 172 ) . ( 2 ) تقدم وانظر المخصص ( 13 / 282 ) . ( 3 ) القاسم بن عليّ بن محمد بن سليمان الأنصاريّ البصليوسي الشهير بالصّفار شرح كتاب سيبويه مات بعد الثلاثين وستمائة البغية ( 2 / 256 ) . ( 4 ) سورة إبراهيم ، آية ( 34 ) . ( 5 ) سورة التوبة ، آية ( 69 ) . ( 6 ) البيت لطفيل الغنوي انظر ملحق ديوانه ( 65 ) ، الخصائص ( 1 / 370 ) ، الكامل ( 340 ) ، القرطبي ( 6 / 23 ) ، اللسان « قلص » . ( 7 ) سورة النجم ، آية ( 37 ) . ( 8 ) سورة التوبة ، آية ( 111 ) . ( 9 ) القاسم بن فيّره بن خلق بن أحمد الرعيني أبو محمد الشاطبي -