أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

199

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وقيل : جواب الشرط الأول محذوف تقديره : فإمّا يأتينّكم مني هدى فاتّبعوه ، وقوله : « فمن تبع » جملة مستقلة . وهو بعيد أيضا . و « من » يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر ، ويجوز أن تكون موصولة ، ودخلت الفاء في خبرها تشبيها لها بالشرط ، ولا حاجة إلى هذا . فإن كانت شرطية كان « تبع » في محل جزم ، وكذا : « فلا خوف » لكونهما شرطا وجزاء ، وإن كانت موصولة فلا محلّ ل « تبع » . وإذا قيل بأنّها شرطية فهي مبتدأ أيضا ، ولكن في خبرها خلاف مشهور : الأصحّ أنه فعل الشرط ، بدليل أنه يلزم عود ضمير من فعل الشرط على اسم الشرط ، ولا يلزم ذلك في الجواب ، تقول : من يقم أكرم زيدا ، فليس في « أكرم زيدا » ضمير يعود على « من » ولو كان خبرا للزم فيه ضمير ، ولو قلت : « من يقم زيدا أكرمه » وأنت تعيد الهاء على « من » لم يجز لخلوّ فعل الشرط من الضمير . وقيل : الخبر الجواب ، ويلزم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائد على اسم الشرط ، فلا يجوز عندهم : « من يقم أكرم زيدا » ولكنه جائز ، هذا ما أورده أبو البقاء . وسيأتي تحقيق القول في لزوم عود ضمير من الجواب إلى اسم الشرط عند قوله تعالى : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ « 1 » . وقيل : مجموع الشرط والجزاء هو الخبر لأنّ الفائدة إنما تحصل منهما . وقيل : ما كان فيه ضمير عائد على المبتدأ فهو الخبر . والمشهور : « هداي » ، وقرئ : هديّ « 2 » ، بقلب الألف ياء ، وإدغامها في ياء المتكلم ، وهي لغة هذيل ، يقولون في عصاي : عصيّ ، وقال شاعرهم يرثي بنيه : 398 - سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم * فتخرّموا ولكلّ جنب مصرع « 3 » كأنهم لمّا لم يصلوا إلى ما تستحقّه ياء المتكلم من كسر ما قبلها لكونه ألفا أتوا بما يجانس الكسرة ، فقلبوا الألف ياء ، وهذه لغة مطردة عندهم ، إلا أن تكون الألف للتثنية فإنهم يثبتونها نحو : جاء مسلماي وغلاماي . قوله : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ قد تقدّم أنه يجوز أن يكون جوابا للشرط ، فيكون في محلّ جزم ، وأن يكون خبرا ل « من » إذا قيل بأنها موصولة ، وهو أولى لمقابلته بالموصول في قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا * فيكون في محل رفع ، و « لا » يجوز أن تكون عاملة عمل ليس ، فيكون « خوف » اسمها ، و « عليهم » في محلّ نصب خبرها ، ويجوز أن تكون غير عاملة فيكون « خوف » مبتدأ ، و « عليهم » في محل رفع خبره . وهذا أولى ممّا قبله لوجهين : أحدهما : أنّ عملها عمل ليس قليل ولم يثبت إلا بشيء محتمل وهو قوله : 399 - تعزّ فلا شيء على الأرض باقيا * ولا وزر ممّا قضى اللّه واقيا « 4 » والثاني : أنّ الجملة التي بعدها وهي : « وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » تعيّن أن تكون « لا » فيها غير عاملة لأنها لا تعمل في المعارف ، فجعلها غير عاملة فيه مشاكلة لما بعدها ، وقد وهم بعضهم فجعلها عاملة في المعرفة مستدلّا بقوله :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 98 ) . ( 2 ) انظر مختصر الشواذ ( 5 ) . ( 3 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي انظر ديوان الهذليين ( 1 / 2 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 281 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 33 ) ، المحتسب ( 1 / 76 ) ، الهمع ( 2 / 53 ) ، الدرر ( 2 / 68 ) ، شرح المفضليات 3 / 1403 ، المقرب 1 / 217 ، التصريح 2 / 61 ، البحر 1 / 169 . ( 4 ) البيت في أوضح المسالك ( 1 / 204 ) ، الشذور ( 250 ) ، الهمع ( 1 / 125 ) ، الدرر ( 1 / 97 ) ، الخزانة ( 1 / 530 ) .