أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
182
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فيه ، فقيل : تقديره : أسماء المسمّيات ، فحذف المضاف إليه للعلم . قال الزمخشري : « وعوّض منه اللام ، كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 1 » ورجّح هذا القول بقوله تعالى : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ ولم يقل : أنبئوني بهؤلاء فلمّا أنبأهم بهم . ولكن في قوله : « وعوّض منه اللام » نظر ، لأن الألف واللام لا يقومان مقام الإضافة عند البصريين . وقيل : تقديره مسمّيات الأسماء ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، ورجّح هذا القول بقوله تعالى : ثُمَّ عَرَضَهُمْ لأن الأسماء لا تجمع كذلك ، فدلّ عوده على المسمّيات . ونحو هذه الآية قوله تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ « 2 » تقديره : أو كذي ظلمات ، فالهاء في « يغشاه » تعود على « ذي » المحذوف . قوله : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ « ثم » حرف للتراخي كما تقدّم ، والضمير في « عرضهم » للمسمّيات المقدّرة أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسمّيات ، كما تقدّم . وقيل : يعود على الأسماء ونقل عن ابن عباس ، ويؤيّده قراءة من قرأ « 3 » : « عرضها وعرضهنّ » إلا أنّ في هذا القول جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء ، أو نقول : إنما قال ابن عباس ذلك بناء منه أنّه أطلق الأسماء وأراد المسمّيات كما تقدّم وهو واضح . و « على الملائكة » متعلق ب « عرضهم » . قوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ الإنباء : الإخبار ، وأصل « أنبأ » أن يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر كهذه الآية ، وقد يحذف الحرف ، قال تعالى : مَنْ أَنْبَأَكَ هذا « 4 » أي : بهذا وقد يتضمّن معنى « أعلم » اليقينية ، فيتعدّى تعديتها إلى ثلاثة مفاعيل ، ومثل أنبأ : نبّأ وأخبر ، وخبّر وحدّث . و « هؤلاء » في محلّ خفض بالإضافة ، وهو اسم إشارة ورتبته دنيا ، ويمدّ ويقصر ، كقوله : 350 - هؤلاء ثمّ هؤلاء كلّا أعطي * ت نعالا محذوّة بمثال « 5 » والمشهور بناؤه على الكسر ، وقد يضمّ وقد ينوّن مكسورا ، وقد تبدل همزته هاء ، فتقول : هؤلاه ، وقد يقال : هولا ، كقوله : 351 - تجلّد لا يقل هولا هذا * بكى لمّا بكى أسفا عليكا « 6 » ولامه عند الفارسي همزة فتكون فاؤه ولامه من مادة واحدة ، وعند المبرّد أصلها ياء وإنما قلبت همزة لتطرّفها بعد الألف الزائدة . قوله : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قد تقدّم نظيره ، وجوابه محذوف أي : إن كنتم صادقين فأنبئوني ، والكوفيون والمبرد يرون أنّ الجواب هو المتقدّم ، وهو مردود بقولهم : « أنت ظالم إن فعلت » لأنه لو كان جواب لوجبت الفاء معه ، كما تجب معه متأخرا ، وقال ابن عطية : « إنّ كون الجواب محذوفا هو رأي المبرد وكونه متقدّما هو رأي سيبويه » وهو وهم .
--> ( 1 ) سورة مريم ، آية ( 4 ) . ( 2 ) سورة النور ، آية ( 40 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 146 ) . ( 4 ) سورة التحريم ، آية ( 3 ) . ( 5 ) البيت للأعشى . انظر ديوانه ( 11 ) ، البحر ( 1 / 138 ) ، القرطبي ( 1 / 284 ) . ( 6 ) البيت في الخزانة ( 2 / 470 ) ، البحر ( 1 / 138 ) .