أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

183

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : قالُوا سُبْحانَكَ . . « سبحان » اسم مصدر وهو التسبيح ، وقيل : بل هو مصدر لأنه سمع له فعل ثلاثي ، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة وقد يفرد ، وإذا أفرد منع الصرف للتعريف وزيادة الألف والنون كقوله : 352 - أقول لمّا جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر « 1 » وقد جاء منوّنا كقوله : 353 - سبحانه ثم سبحانا نعوذ به * وقبلنا سبّح الجوديّ والجمد « 2 » فقيل : صرف ضرورة ، وقيل : هو بمنزلة قبل وبعد ، إن نوي تعريفه بقي على حاله ، وإن نكّر أعرب منصرفا ، وهذا البيت يساعد على كونه مصدرا لا اسم مصدر لوروده منصرفا . ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأنّ هذا نكرة لا معرفة ، وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية فلا يتصرّف ، والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظهاره ، وقد روي عن الكسائي أنه جعله منادى تقديره : يا سبحانك ، وأباه الجمهور من النحاة ، وإضافته هنا إلى المفعول لأنّ المعنى : نسبّحك نحن . وقيل : بل إضافته للفاعل ، والمعنى : تنزّهت وتباعدت من السوء وسبحانك ، والعامل فيه في محلّ نصب بالقول . قوله : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا كقوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ ، * و « إلّا » حرف استثناء ، و « ما » موصولة ، و « علّمتنا » صلتها ، وعائدها محذوف ، على أن يكون « علم » بمعنى معلوم ، ويجوز أن تكون مصدرية وهي في محلّ نصب على الاستثناء ، ولا يجوز أن تكون منصوبة بالعلم الذي هو اسم لا لأنه إذا عمل كان معربا ، وقيل : في محلّ رفع على البدل من اسم « لا » على الموضع . وقال ابن عطية : « هو بدل من خبر التبرئة كقولهم : « لا إله إلا اللّه » وفيه نظر ، لأن الاستثناء إنما هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به . ونقل هو عن الزهراوي « 3 » أنّ « ما » منصوبة بعلّمتنا بعدها ، وهذا غير معقول لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه ؟ قال الشيخ « 4 » : « إلا أن يتكلّف له وجه بعيد ، وهو أن يكون استثناء منقطعا بمعنى لكن ، وتكون « ما » شرطية ، و « علّمتنا » ناصب لها وهو في محلّ جزم بها والجواب محذوف ، والتقدير : لكن ما علّمتنا علمناه . قوله : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أنت يحتمل ثلاثة أوجه ، أن يكون تأكيدا لاسم إنّ فيكون منصوب المحلّ ، وأن يكون مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إنّ ، وأن يكون فصلا ، وفيه الخلاف المشهور ، وهل له محلّ إعراب أم لا ؟ وإذا قيل : إنّ له محلا ، فهل بإعراب ما قبله كقول الفراء فيكون في محلّ نصب ، أو بإعراب ما بعده ، فيكون في محلّ رفع كقول الكسائي ؟ و « الحكيم » خبر ثان أو صفة للعليم ، وهما فعيل بمعنى فاعل ، وفيهما من المبالغة ما ليس فيه . والحكم لغة : الإتقان والمنع من الخروج عن الإرادة ، ومنه حكمة الدابّة وقال جرير :

--> ( 1 ) تقدم وهو للأعشى . ( 2 ) البيت لأمية بن أبي الصلت . انظر ديوانه ( 30 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 164 ) ، الخزانة ( 2 / 37 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 348 ) ، الدرر ( 1 / 163 ) . ( 3 ) عمر بن عبيد الذهلي القرطبي من المحدثين العلماء ، توفي سنة 454 ه . انظر العبر للذهبي ( 3 / 233 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 148 ) .