أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

181

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . . هذه الجملة يجوز إلّا يكون لها محلّ من الإعراب لاستئنافها ، وأن يكون محلّها الجرّ لعطفها على « قالَ رَبُّكَ » . و « عَلَّمَ » هذه متعدية إلى اثنين ، وكانت قبل التضعيف متعدية لواحد لأنها عرفانية ، فتعدّت بالتضعيف لآخر ، وفرّقوا بين « علم » العرفانية واليقينية في التعدية ، فإذا أرادوا أن يعدّوا العرفانية عدّوها بالتضعيف ، وإذا أرادوا أن يعدّوا اليقينة عدّوها بالهمزة ، ذكر ذلك أبو علي الشلوبين « 1 » ، وفاعل « علّم » يعود على الباري تعالى ، و « آدم » مفعوله . وفيه ستة أقوال : أرجحها أنه اسم أعجميّ غير مشتقّ ، ووزنه فاعل كنظائره نحوه : آزر وشالح ، وإنما منع من الصرف للعلميّة والعجمة الشخصية . الثاني : أنه مشتقّ من الأدمة ، وهي حمرة تميل إلى السواد . الثالث : أنه مشتقّ من أديم الأرض ، وهو أوجهها ومنع من الصّرف على هذين القولين للوزن والعلمية . الرابع : أنه مشتقّ من أديم الأرض أيضا على هذا الوزن أعني وزن فاعل وهذا خطأ ، لأنه كان ينبغي أن ينصرف . الخامس : أنه عبريّ من الإدام وهو التراب . السادس : قال الطبري : « إنه في الأصل فعل رباعي مثل : أكرم ، وسمّي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جهته » والحاصل أنّ ادّعاء الاشتقاق فيه بعيد ، لأنّ الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف ، وآدم وإن كان مفعولا لفظا فهو فاعل معنى ، و « الأسماء » مفعول ثان ، والمسألة من باب أعطى وكسا ، وله أحكام تأتي إن شاء اللّه تعالى . وقرئ : « علّم » « 2 » مبنيا للمفعول ، و « آدم » رفعا لقيامه مقام الفاعل . و « كلّها » تأكيد للأسماء تابع أبدا ، وقد يلي العوامل كما تقدّم . وقوله « الْأَسْماءَ كُلَّها » الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادّعاء حذف ، لأنّ المعنى : وعلّم آدم الأسماء ، ولم يبيّن لنا أسماء مخصوصة ، بل دلّ كلّها على الشمول ، والحكمة حاصلة بتعلّم الأسماء ، وإن لم يعلم مسمّياتها ، أو يكون أطلق الأسماء وأراد المسمّيات ، فعلى هذين الوجهين لا حذف . وقيل : لا بدّ من حذف واختلفوا

--> ( 1 ) عمر بن محمد بن عمر بن عبد اللّه الأستاذ أبو علي الإشبيلي الأزدي المعروف بالشلويين - بفتح المعجمة واللام وسكون الواو وكسر الموحدة وبعدها تحتانية - وتوفى سنة 645 ه . البغية ( 2 / 224 - 225 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 145 ) .