أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

180

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والتقديس : التطهير ، ومنه الأرض المقدّسة ، وبيت المقدس ، وروح القدس ، وقال الشاعر : 347 - فأدركنه يأخذن بالساق والنّسا * كما شبرق الولدان ثوب المقدس « 1 » أي : المطهّر لهم . وقال الزمخشري : « هو من قدّس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، فمعناه قريب من معنى نسبّح » . انتهى . قوله تعالى : قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ أصل إنّي : إنني فاجتمع ثلاثة أمثال ، فحذفنا أحدها ، وهل هو نون الوقاية أو النون الوسطى ؟ قولان الصحيح الثاني ، وهذا شبيه بما تقدّم في « إنّا معكم » « 2 » وبابه . والجملة في محلّ نصب بالقول ، و « أعلم » يجوز فيه أن يكون فعلا مضارعا وهو الظاهر ، و « ما » مفعول به ، وهي : إمّا نكرة موصوفة أو موصولة ، وعلى كلّ تقدير فالعائد محذوف لاستكماله الشروط أي : تعلمونه ، وقال المهدوي ، ومكي وتبعهما أبو البقاء : « إنّ » أعلم « اسم بمعنى عالم » كقوله : 348 - لعمرك ما أدري وإني لأوجل * على أيّنا تعدو المنيّة أوّل « 3 » ف « ما » يجوز فيها أن تكون في محلّ جرّ بالإضافة أو نصب ب « أعلم » ولم ينوّن « أعلم » لعدم انصرافه ، نحو : « هؤلاء حواجّ بيت اللّه » ، وهذا مبنيّ على أصلين ضعيفين . أحدهما : جعل أفعل بمعنى فاعل من غير تفضيل . والثاني أنّ أفعل إذا كانت بمعنى اسم الفاعل عملت عمله ، والجمهور لا يثبتونها . وقيل : « أعلم » على بابها من كونها للتفضيل ، والمفضّل عليه محذوف ، أي : أعلم منكم ، و « ما » منصوبة بفعل محذوف دلّ عليه أفعل ، أي : علمت ما لا تعلمون ، ولا جائز أن ينصب بأفعل التفضيل لأنه أضعف من الصفة المشبّهة التي هي أضعف من اسم الفاعل الذي هو أضعف من الفعل في العمل ، وهذا يكون نظير ما أوّلوه من قول الشاعر : 349 - فلم أر مثل الحيّ حيّا مصبّحا * ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا أكرّ وأحمى للحقيقة منهم * وأضرب منا بالسيوف القوانسا « 4 » فالقوانس منصوب بفعل مقدّر ، أي ب « ضرب » ، لا ب « أضرب » ، وفي ادّعاء مثل ذلك في الآية الكريمة بعد لحذف شيئين : المفضّل عليه والناصب ل « ما » . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 31 إلى 33 ] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 31 ) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 32 ) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33 )

--> ( 1 ) البيت لامرئ القيس . انظر ديوانه ( 104 ) ، القرطبي ( 1 / 277 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 14 ) . ( 3 ) البيت لمعن بن أوس . انظر ديوانه ( 57 ) ، أوضح المسالك ( 2 / 217 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 4 / 87 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 328 ) . ( 4 ) البيتان للعباس بن مرداس . انظر ديوانه ( ص 69 ) ، قصيدة رقم ( 20 ) ، وتسمى المنصفة ، النوادر ( 59 ) ، الأصمعيات ( 205 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 6 / 105 ) ، الحماسة ( 1 / 246 ) ، الخزانة ( 3 / 517 ) ، الكشاف ( 4 / 429 ) ، المغني ( 2 / 618 ) ، الحماسة البصرية . القوانس : جمع قونس وهو ما بين أذني الفرس ، أو مقدم رأس الرجل .