أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

179

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

و « لكم » متعلّق به أو ب « نسبّح » ، ومعناها العلة ، وقيل : هي زائدة ، فإنّ ما قبلها متعدّ بنفسه ، وهو ضعيف إذ لا تزاد إلّا مع تقديم المعمول أو يكون العامل فرعا ، وقيل : هي معدّية نحو : سجدت للّه ، وقيل : هي للبيان ، كهي في قولك : سقيا لك ، فعلى هذا يتعلّق بمحذوف ويكون خبر مبتدأ مضمر أي : تقديسنا لك . وهذا التقدير أحسن من تقدير قولهم : « أعني » لأنه أليق بالموضع . وأبعد من زعم أنّ جملة قوله « ونحن نسبّح » داخلة في حيّز استفهام مقدر تقديره : وأنحن نسبّح أم نتغيّر . واستحسنه ابن عطية مع القول بالاستفهام المحض في قولهم : « أتجعل » ، وهذا يأباه الجمهور ، أعني حذف همزة الاستفهام من غير ذكر « أم » المعادلة وهو رأي الأخفش ، وجعل من ذلك قوله تعالى : « وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ » « 1 » أي : وأتلك نعمة ، وقول الآخر : 343 - طربت وما شوقا إلى البيض أطرب * ولا لعبا مني وذو الشّيب يلعب « 2 » أي : وأذو الشيب ، وقول الآخر : 344 - أفرح أن أرزأ الكرام وأن * أورث ذودا شصائصا نبلا « 3 » أي : أأفرح ، فأمّا مع « أم » فإنه جائز لدلالتها عليه كقوله : 345 - فو اللّه ما أدري وإن كنت داريا * بسبع رمين الجمر أم بثمان « 4 » أي : أبسبع . والتسبيح : التنزيه والبراءة ، وأصله من السّبح وهو البعد ، ومنه السابح في الماء ، فمعنى « سبحان اللّه » أي : تنزيها له وبراءة عمّا لا يليق بجلاله ومنه قول الشاعر : 346 - أقول لمّا جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر « 5 » أي : تنزيها ، وهو مختصّ بالباري تعالى ، قال الراغب في قوله سبحان من علقمة : « إن أصله سبحان علقمة ، على سبيل التهكّم فزاد فيه « من » ، وقيل : تقديره : سبحان اللّه من أجل علقمة » ، فظاهر قوله أنه يجوز أن يقال لغير الباري تعالى على سبيل التهكّم ، وفيه نظر .

--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 22 ) . ( 2 ) البيت للكميت . انظر أمالي ابن الشجري ( 1 / 267 ) ، المحتسب ( 1 / 50 ) ، الهمع ( 1 / 195 ) ، الدرر ( 1 / 167 ) ، الخصائص ( 2 / 281 ) ، المغني ( 1 / 14 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 521 ) . والشاهد قوله : ( وذو الشيب يلعب ) حيث حذف همزة الاستفهام . ( 3 ) البيت ذكره ابن منظور وهو للحضرمي بن عامر . انظر اللسان ( جزأ ) ، وهو من شواهد الكشاف ( 4 / 296 ) ، التهذيب ( 11 / 263 ) ( شص ) ، حاشية الكشاف للتفتازاني ( 2 / 790 ) ، والشاهد فيه قوله : ( أفرح ) حيث حذف الهمزة على سبيل الإنكار ، وقوله شصائص وهي الناقة التي لا لبن لها . ( 4 ) البيت لعمرو بن أبي ربيعة . انظر ديوانه ( 266 ) ، ورواية الصدر فيه : فو اللّه ما أدري وإنّي لحاسب * . . . انظر شرح المفصل ( 8 / 154 ) ، الخزانة ( 4 / 447 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 335 ) ، المغني ( 1 / 14 ) ، رصف المباني ( 45 ) ، الدرر ( 2 / 85 ) ، الكتاب ( 3 / 175 ) ، المقتضب ( 3 / 294 ) ، الصاحبي ( 297 ) . يصور الشاعر ذهوله من النظر إليهن ، وانصراف باله إليهن ، فلم يعد يذكر أرمين سبعا من الحجرات أم ثمانيا . ( 5 ) البيت للأعشى . انظر ديوانه ( 143 ) ، الخصائص ( 2 / 197 ) ، الخزانة ( 2 / 41 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 37 ) ، الهمع ( 1 / 164 ) ، الدرر ( 1 / 164 ) .