أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
177
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثاني : أنه متعلق بمحذوف لأنه حال من النكرة بعده . القول الثاني : أنه بمعنى مصيّر ، ولم يذكر الزمخشري غيره ، فيكون « خليفة » هو المفعول الأول ، و « في الأرض » هو الثاني قدّم عليه ، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرّر . و « خليفة » يجوز أن يكون بمعنى فاعل أي : يخلفكم أو يخلف من كان قبله من الجنّ ، وهذا أصحّ لدخول تاء التأنيث عليه وقيل : بمعنى مفعول أي : يخلف كلّ جيل من تقدّمه ، وليس دخول التاء حينئذ قياسا . إلا أن يقال : إنّ « خليفة » جرى مجرى الجوامد كالنطيحة والذبيحة . وإنما وحّد « خليفة » وإن كان المراد الجمع لأنه أريد به آدم وذريته ، ولكن استغنى بذكره كما يستغنى بذكر أبي القبيلة نحو : مضر وربيعة ، وقيل : المعنى على الجنس . وقرئ : « خليفة » بالقاف « 1 » . و « خليفة » منصوب ب « جاعل » كما تقدّم ، لأنّه اسم فاعل . واسم الفاعل يعمل عمل فعله مطلقا إن كان فيه الألف واللام ، وبشرط الحال أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه ، ويجوز إضافته لمعموله تخفيفا ما لم يفصل بينهما كهذه الآية . قوله : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ قد تقدّم أن « قالوا » عامل في « إِذْ قالَ رَبُّكَ » وأنه المختار ، والهمزة في « أتجعل » للاستفهام على بابها ، وقال الزمخشري : « للتعجب » ، وقيل : للتقرير كقوله : 338 - ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح « 2 » وقال أبو البقاء : « للاستشهاد » ، أي : أتجعل فيها من يفسد كمن كان قبل » وهي عبارة غريبة . و « فيها » الأولى متعلقة ب « تجعل » إن قيل : إنها بمعنى الخلق ، و « من يفسد » مفعول به ، وإن قيل إنّها بمعنى التصيير فيكون « فيها » مفعولا ثانيا قدّم على الأول وهو « من يفسد » ، و « من » تحتمل أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة ، فعلى الأول لا محلّ للجملة بعدها من الإعراب ، وعلى الثاني محلّها النصب ، و « فيها » الثانية متعلقة ب « يفسد » . و « يسفك » عطف على « يفسد » بالاعتبارين . والجمهور على رفعه . وقرئ منصوبا « 3 » على جواب الاستفهام بعد الواو التي تقتضي الجمع بإضمار « أن » كقوله : 339 - أتبيت ريّان الجفون من الكرى * وأبيت منك بليلة الملسوع « 4 » وقال ابن عطية : « منصوب بواو الصرف » وهذه عبارة الكوفيين ، ومعنى واو الصرف أن الفعل كان يقتضي إعرابا فصرفته الواو عنه إلى النصب ، والمشهور « يسفك » بكسر الفاء ، وقرئ بضمّها ، وقرئ أيضا بضم حرف المضارعة من أسفك وقرئ أيضا مشدّدا للتكثير .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 140 ) . ( 2 ) البيت لجرير . انظر ديوانه ( 89 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 123 ) ، الخصائص ( 2 / 463 ) ، المغني ( 11 ) ، شواهد المغني ( 43 ) ، اللسان ( نقص ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 142 ) . ( 4 ) البيت للشريف الرضي . انظر ديوانه ( 1 / 497 ) ، المغني ( 744 ) ، الهمع ( 2 / 13 ) ، الأشموني ( 3 / 307 ) ، الدرر ( 2 / 10 ) .