أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

172

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

326 - فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة * وقد حلّق النجم اليمانيّ فاستوى « 1 » وقال تعالى : فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ « 2 » ، ومعناه هنا قصد وعمد ، وفاعل استوى ضمير يعود على اللّه ، وقيل : يعود على الدخان نقله ابن عطية ، وهذا غلط لوجهين : أحدهما : عدم ما يدلّ عليه . والثاني : أنه يردّه قوله : « ثمّ استوى إلى السماء ، وهي دخان » . و « إلى » حرف انتهاء على بابها ، وقيل : هي بمعنى « على » فيكون في المعنى كقول الشاعر : 327 - قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق « 3 » أي : استولى ، ومثله قول الآخر : 328 - فلمّا علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر « 4 » وقيل : ثمّ مضاف محذوف ، ضميره هو الفاعل أي استوى أمره ، و « إلى السماء » متعلّق ب « استوى » ، و « فسوّاهنّ » الضمير يعود على السماء : إمّا لأنها جمع سماوة كما تقدّم ، وإمّا لأنّها اسم جنس يطلق على الجمع ، وقال الزمخشري : « هنّ » ضمير مبهم ، و « سبع سماوات » يفسّره كقولهم : « ربّه رجلا » . وقد ردّ عليه هذا « 5 » ، فإنّه ليس من المواضع التي يفسّر فيها الضمير بما بعده لأنّ النحويين حصروا ذلك في سبعة مواضع : ضمير الشأن ، والمجرور ب « ربّ » ، والمرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما ، وبأوّل المتنازعين والمفسّر بخبره وبالمبدل منه ، ثم قال هذا المعترض : « إلّا أن يتخيّل فيه أن يكون « سبع سماوات » بدلا وهو الذي يقتضيه تشبيهه بربّه رجلا ، فإنه ضمير مبهم ليس عائدا على شيء قبله ، لكن هذا يضعف بكون هذا التقدير يجعله ، غير مرتبط بما قبله ارتباطا كليا ، فيكون أخبر بإخبارين : أحدهما : أنه استوى إلى السماء . والثاني : أنه سوّى سبع سماوات ، وظاهر الكلام أن الذي استوى إيه هو المسوّى بعينه . قوله : سَبْعَ سَماواتٍ في نصبه خمسة أوجه : أحسنها : أنه بدل من الضمير في « فسوّاهنّ » العائد على السماء كقولك : أخوك مررت به زيد . الثاني : أنه بدل من الضمير أيضا ، ولكن هذا الضمير يفسّره ما بعده . وهذا يضعف بما ضعف به قول الزمخشري ، وقد تقدّم آنفا . الثالث : أنه مفعول به ، والأصل : فسوّى منهنّ سبع سماوات ، وشبّهوه بقوله تعالى : « وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ

--> ( 1 ) البيت من شواهد القرطبي ( 1 / 254 ) . ( 2 ) سورة المؤمنون ، آية ( 28 ) . ( 3 ) البيت في رصف المباني ( 431 ) ، اللسان ( سوا ) ، البحر ( 1 / 134 ) ، القرطبي ( 1 / 176 ) . وذكره الواحدي في البسيط والوسيط في سورة الأعراف . ( 4 ) انظر البيت في تفسير القرطبي ( 3 / 278 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 135 ) .