أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

167

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الكوفيين ، ومعناه عندهم : أنه كان أصله أن يتبع ما قبله والأصل : بهذا المثل ، فلمّا قطع عن التبعية انتصب ، وعلى ذلك قول امرئ القيس : 316 - سوامق جبّار أثيث فروعه * وعالين قنوانا من البسر أحمرا « 1 » أصله : من البسر الأحمر . قوله : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً « الباء » فيه للسببية ، وكذلك في يَهْدِي بِهِ وهاتان الجملتان لا محلّ لهما لأنهما كالبيان للجملتين المصدّرتين ب « أمّا » ، وهما من كلام اللّه تعالى ، وقيل : في محلّ نصب لأنهما صفتان لمثلا ، أي : مثلا يفرّق الناس به ، إلى ضلّال ومهتدين ، وهما على هذا من كلام الكفار . وأجاز أبو البقاء أن تكون حالا من اسم اللّه أي : مضلا به كثيرا وهاديا به كثيرا . وجوّز ابن عطية أن تكون جملة قوله : « يضل به كثيرا » من كلام الكفار ، وجملة قوله : وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً من كلام الباري تعالى . وهذا ليس بظاهر ، لأنه إلباس في التركيب . والضمير في « به » عائد على « ضرب » المضاف تقديرا إلى المثل ، أي : بضرب المثل ، وقيل : الضمير الأول للتكذيب ، والثاني للتصديق ، ودلّ على ذلك قوّة الكلام . وقرئ : « يضلّ به كثير ويهدى به كثير ، وما يضلّ به إلا الفاسقون » بالبناء للمفعول « 2 » ، وقرئ أيضا : « يضلّ به كثير ويهدي به كثير ، وما يضلّ به إلا الفاسقون » بالبناء للفاعل « 3 » ، قال بعضهم : « وهي قراءة القدريّة » قلت : نقل ابن عطية عن أبي عمرو الداني « 4 » أنها قراءة المعتزلة ، ثم قال : « وابن أبي عبلة من ثقات الشاميّين » يعني قارئها ، وفي الجملة فهي مخالفة لسواد المصحف . فإن قيل : كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون ، لقوله تعالى : وَقَلِيلٌ ما هُمْ « 5 » وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 6 » ؟ فالجواب أنهم وإن كانوا قليلين في الصورة فهم كثيرون في الحقيقة كقوله : 317 - إنّ الكرام كثير في البلاد وإن * قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا « 7 » فصار ذلك باعتبارين . قوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ . الفاسقين : مفعول ل « يضلّ » وهو استثناء مفرغ ، وقد تقدّم معناه ، ويجوز عند الفراء أن يكون منصوبا على الاستثناء ، والمستثنى منه محذوف تقديره : وما يضلّ به أحدا إلا الفاسقين كقوله :

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 57 ) ، البحر المحيط ( 3 / 443 ) . وروى صدره هكذا : فأتت أعاليه وآدت أصوله * . . . وسيأتي ذكره في كلام المصنف في سورة الأنعام ، آية ( 99 ) . ( 2 ) قراءة زيد بن علي . انظر البحر ( 1 / 126 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 126 ) . ( 4 ) عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني ، ويقال له : ابن الصيرفي من موالي بني أمية : أحد حفاظ الحديث ومن الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ، توفي سنة 444 ه . النجوم الزاهرة ( 5 / 54 ) ، نفح الطيب ( 1 / 392 ) ، غاية النهاية ( 1 / 513 ) ، الأعلام ( 4 / 206 ) . ( 5 ) سورة ص ، آية ( 24 ) . ( 6 ) سورة سبأ ، آية ( 13 ) . ( 7 ) البيت من شواهد الكشاف ( 4 / 395 ) .