أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

164

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أي : ما بين قرن ، وحكوا : « له عشرون ما ناقة فحملا » ، وعلى القول الثاني يكون « مثلا » مفعولا أول ، و « ما » تحتمل الوجهين المتقدمين و « بعوضة » مفعول ثان ، وقيل : بعوضة هي المفعول الأول و « مثلا » هو الثاني ولكنه قدّم . وتلخّص ممّا تقدّم أنّ في « ما » ثلاثة أوجه : زائدة ، صفة لما قبلها ، نكرة موصوفة ، وأنّ في « مثلا » ثلاثة أيضا مفعول أول ، مفعول ثان ، حال مقدّمة ، وأنّ في « بعوضة » تسعة أوجه . والصواب من ذلك كلّه أن يكون « ضرب » متعديا لواحد بمعنى بيّن ، و « مثلا » مفعول به ، بدليل قوله : ضُرِبَ مَثَلٌ ، و « ما » صفة للنكرة ، و « بعوضة » بدل لا عطف بيان ، لأن عطف البيان ممنوع عند جمهور البصريين في النكرات . وقرأ ابن أبي عبلة « 1 » والضحاك « 2 » برفع « بعوضة » ، واتفقوا على أنها خبر لمبتدأ ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ ، فقيل : هو « ما » على أنها استفهامية ، أي : أي شيء بعوضة ، وإليه ذهب الزمخشري ورجّحه . وقيل : المبتدأ مضمر تقديره : هو بعوضة ، وفي ذلك وجهان : أحدهما : أن تجعل هذه الجملة صلة ل « ما » لكونها بمعنى الذي ، ولكنه حذف العائد وإن لم تطل الصلة ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلا في « أيّ » خاصة لطولها بالإضافة ، وأمّا غيرها فشاذّ أو ضرورة ، كقراءة : « تماما على الذي أحسن » « 3 » ، وقوله : 310 - من يعن بالحقّ لا ينطق بما سفه * ولا يحد عن سبيل الحمد والكرم « 4 » أي : الذي هو أحسن ، وبما هو سفه ، وتكون « ما » على هذا بدلا من « مثلا » ، كأنه قيل : مثلا الذي هو بعوضة . والثاني : أن تجعل « ما » زائدة أو صفة وتكون « هو بعوضة » جملة كالمفسّرة لما انطوى عليه الكلام . قوله : فَما فَوْقَها قد تقدّم أن الفاء بمعنى إلى ، وهو قول مرجوح جدا . و « ما » في « فما فوقها » إن نصبنا « بعوضة » كانت معطوفة عليها موصولة بمعنى الذي ، وصلتها الظرف ، أو موصوفة وصفتها الظرف أيضا ، وإن رفعنا « بعوضة » ، وجعلنا « ما » الأولى موصولة أو استفهامية فالثانية معطوفة عليها ، لكن في جعلنا « ما » موصولة يكون ذلك من عطف المفردات ، وفي جعلنا إياها استفهامية يكون من عطف الجمل ، وإن جعلنا « ما » زائدة أو صفة لنكرة و « بعوضة » خبرا ل « هو » مضمرا كانت « ما » معطوفة على « بعوضة » . والبعوضة واحدة البعوض وهو معروف ، وهو في الأصل وصف على فعول كالقطوع ، مأخوذ من البعض وهو القطع ، وكذلك البضع والعضب ، قال : 311 - لنعم البيت بيت أبي دثار * إذا ما خاف بعض القوم بعضا « 5 »

--> ( 1 ) إبراهيم بن أبي عبلة شمر بن يقظان تابعي من أهل دمشق ، ثقة ، توفي سنة 151 ه . غاية النهاية ( 1 / 19 ) . ( 2 ) الضحاك بن مزاحم البلخي الخراساني أبو القاسم ، مفسر ، توفي بخراسان سنة 105 ه . ميزان الاعتدال ( 1 / 471 ) ، العبر ( 1 / 124 ) ، تاريخ الخميس ( 2 / 318 ) ، الأعلام ( 3 / 215 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 154 ) . ( 4 ) البيت في الهمع ( 1 / 90 ) ، التصريح ( 1 / 144 ) ، الدرر ( 1 / 69 ) ، الأشموني ( 1 / 169 ) . ( 5 ) البيت ذكره ابن منظور في اللسان ( بعض ) ، وهو من -