أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

165

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

ومعنى « فما فوقها » أي : في الكبر وهو الظاهر ، وقيل : في الصّغر . قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا « أمّا » : حرف ضمّن معنى اسم شرط وفعله ، كذا قدّره سيبويه ، قال : « أمّا » بمنزلة مهما يك من شيء » . وقال الزمخشري : « وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد ، تقول : زيد ذاهب ، فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب قلت : أمّا زيد فذاهب » وذكر كلاما حسنا بليغا كعادته في ذلك . وقال بعضهم : « أمّا » حرف تفصيل لما أجمله المتكلّم وادّعاه المخاطب ، ولا يليها إلا المبتدأ ، وتلزم الفاء في جوابها ، ولا تحذف إلّا مع قول ظاهر أو مقدّر كقوله : وأما الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ، أَ كَفَرْتُمْ « 1 » أي : فيقال لهم : أكفرتم ، وقد تحذف حيث لا قول ، كقوله : 312 - فأمّا القتال لا قتال لديكم * ولكنّ سيرا في عراض المواكب « 2 » أي : فلا قتال ، ولا يجوز أن تليها الفاء مباشرة ولا أن تتأخّر عنها بجز أي جملة لو قلت : « أمّا زيد منطلق ففي الدار » لم يجز ، ويجوز أن يتقدّم معمول ما بعد الفاء عليها ، متليّ أمّا كقوله : وأما الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ « 3 » ، ولا يجوز الفصل بين أمّا والفاء بمعمول إنّ خلافا للمبرد ، ولا بمعمول خبر ليت ولعلّ خلافا للفراء . وإن وقع بعدها مصدر نحو : « أمّا علما فعالم » : فإن كان نكرة جاز نصبه عند التميميين برجحان ، وضعف رفعه ، وإن كان معرفة التزموا فيه الرفع . وأجاز الحجازيون فيه الرفع والنصب ، نحو : « أمّا العلم فعالم » ونصب المنكّر عند سيبويه على الحال ، والمعرّف مفعول له . وأمّا الأخفش فنصبهما عنده على المفعول المطلق . والنصب بفعل الشرط المقدّر أو بما بعد الفاء ما لم يمنّع مانع فيتعيّن فعل الشرط نحو : « أمّا علما فلا علم له » أو : فإنّ زيدا عالم ، لأن « لا » و « إنّ » لا يعمل ما بعدهما فيما قبلهما ، وأمّا الرفع فالظاهر أنه بفعل الشرط المقدّر ، أي : مهما يذكر علم أو العلم فزيد عالم ، ويجوز أن يكون مبتدأ وعالم خبر مبتدأ محذوف ، والجملة خبره ، والتقدير : أمّا علم - أو العلم - فزيد عالم به وجاز الابتداء بالنكرة لأنه موضع تفصيل ، وفيها كلام أطول من هذا . و الَّذِينَ آمَنُوا في محلّ رفع بالابتداء ، و « فَيَعْلَمُونَ » خبره . قوله : فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الفاء جواب أمّا ، لما تضمّنته من معنى الشرط و « أنّه الحقّ » سادّ مسدّ المفعولين عند الجمهور ، ومسدّ المفعول الأول فقط والثاني محذوف عند الأخفش أي : فيعلمون حقيقته ثابتة . وقال الجمهور : لا حاجة إلى ذلك لأنّ وجود النسبة فيما بعد « أنّ » كاف في تعلّق العلم أو الظنّ به ، والضمير في « أنّه » عائد على المثل . وقيل : على ضرب المثل المفهوم من الفعل ، وقيل : على ترك الاستحياء . و « الحقّ » هو الثابت ، ومنه « حقّ الأمر » أي ثبت ، ويقابله الباطل . وقوله : مِنْ رَبِّهِمْ في محلّ نصب على الحال من « الحق » أي : كائنا وصادرا من ربهم ، و « من » لابتداء الغاية المجازية . وقال أبو البقاء : « والعامل فيه معنى الحقّ ، وصاحب الحال الضمير المستتر فيه » أي : في الحق ، لأنه مشتق فيتحمّل ضميرا . قوله : ما ذا أَرادَ اللَّهُ اعلم أنّ « ماذا صنعت » ونحوه له في كلام العرب ستة استعمالات : أن تكون « ما »

--> - شواهد الكشاف ( 4 / 434 ) . ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 106 ) . ( 2 ) البيت للحارث بن خالد المخزومي . انظر أوضح المسالك ( 3 / 207 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 285 ) ، الخزانة ( 1 / 217 ) ، الهمع ( 2 / 76 ) ، الدرر ( 2 / 84 ) . ( 3 ) سورة الضحى ، آية ( 9 ) .