أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
163
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
واستعماله هنا في حقّ اللّه تعالى مجاز عن التّرك ، وقيل : مجاز عن الخشية لأنها أيضا من ثمراته ، وجعله الزمخشريّ من باب المقابلة ، يعني أنّ الكفار لمّا قالوا : « أما يستحيي ربّ محمد أن يضرب المثل بالمحقّرات » قوبل قولهم ذلك بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ » ، ونظيره قول أبي تمام : 305 - من مبلغ أفناء يعرب كلّها * أني بنيت الجار قبل المنزل « 1 » لو لم يذكر بناء الدار لم يصحّ بناء الجار . واستحيى يتعدّى تارة بنفسه وتارة بحرف جرّ ، تقول : استحييته ، وعليه : 306 - « إذا ما استحين الماء » * . . . البيت « 2 » ، واستحييت منه ، وعليه : 307 - « ألا تستحي منا الملوك » * . . . البيت « 3 » ، فيحتمل أن يكون قد تعدّى في هذه الآية إلى « أن يضرب » بنفسه فيكون في محلّ نصب قولا واحدا ، ويحتمل أن يكون تعدّى إليه بحرف الجرّ المحذوف ، وحينئذ يجري الخلاف المتقدم في قوله « أنّ لهم جنات » « 4 » و « يضرب » معناه : يبيّن ، فيتعدّى لواحد . وقيل : معناه التصيير ، فيتعدّى لاثنين نحو : « ضربت الطين لبنا » ، وقال بعضهم : « لا يتعدّى لاثنين إلا مع المثل خاصة » ، فعلى القول الأول يكون « مثلا » مفعولا و « ما » زائدة ، أو صفة للنكرة قبلها لتزداد النكرة شياعا ، ونظيره قولهم : « لأمر ما جدع قصير أنفه » « 5 » وقول امرئ القيس : 308 - وحديث الرّكب يوم هنا * وحديث ما على قصره « 6 » وقال أبو البقاء : « وقيل « ما » نكرة موصوفة » ، ولم يجعل « بعوضة » صفتها بل جعلها بدلا منها ، وفيه نظر ، إذ يحتاج أن يقدّر صفة محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك فكان الأولى أن يجعل « بعوضة » صفتها بمعنى أنه وصفها بالجنس المنكّر لإبهامه فهي في معنى « قليل » ، وإليه ذهب الفراء والزجّاج وثعلب ، وتكون « ما » وصفتها حينئذ بدلا من « مثلا » ، و « بعوضة » بدلا من « ما » أو عطف بيان لها إن قيل إنّ « ما » صفة ل « مثلا » ، أو نعت ل « ما » إن قيل : إنها بدل من « مثلا » كما تقدّم في قول الفراء ، وبدل من « مثلا » أو عطف بيان له إن قيل : إنّ « ما » زائدة . وقيل : « بعوضة » هو المفعول و « مثلا » نصب على الحال قدّم على النكرة . وقيل : نصب على إسقاط الخافض ، التقدير : ما بين بعوضة ، فلمّا حذفت « بين » أعربت « بعوضة » بإعرابها ، وتكون الفاء في قوله : « فَما فَوْقَها » بمعنى إلى ، أي : إلى ما فوقها ، ويعزى هذا للكسائي والفراء وغيرهم من الكوفيين وأنشدوا : 309 - يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم * ولا حبال محبّ واصل تصل « 7 »
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 3 / 47 ) ، الكشاف ( 4 / 475 ) . ( 2 ) تقدم قريبا . ( 3 ) تقدم قريبا . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 25 ) . ( 5 ) انظر مجمع الأمثال ( 2 / 194 ) . ( 6 ) انظر ديوانه ( 103 ) ، والشاهد : « ما على قصره » حيث جاءت « ما » إبهامته دالة على المبالغة وتقديره : أي حديث هوش من الأشياء . ( 7 ) البيت في المغني ( 174 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 113 ) ، الدرر ( 2 / 170 ) .