أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

142

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

على البرق في قول الجمهور ، وعلى الطريق المحذوف في قول المبرد . و « فيه » متعلّق بمشوا ، و « في » على بابها أي : إنه محيط بهم ، وقيل : هي بمعنى الباء ، ولا بدّ من حذف على القولين ، أي : مشوا في ضوئه أي بضوئه ، ولا محلّ لجملة قوله « مشوا » لأنها مستأنفة . واعلم أنّ « كلّا » من ألفاظ العموم ، وهو اسم جمع لازم للإضافة ، وقد يحذف ما يضاف إليه ، وهل تنوينه حينئذ تنوين عوض أو تنوين صرف ؟ قولان . والمضاف إليه « كل » إن كان معرفة وحذف بقيت على تعريفها ، فلهذا انتصب عنها الحال ، ولا يدخلها الألف واللام ، وإن وقع ذلك في عبارة بعضهم ، وربما انتصبت حالا ، وأصلها أن تستعمل توكيدا كأجمع ، والأحسن استعمالها مبتدأ ، وليس كونها مفعولا بها مقصورا على السماع ، ولا مختصا بالشعر خلافا لزاعم ذلك . وإذا أضيفت إلى نكرة أو معرفة بلام الجنس حسن أن تلي العوامل اللفظية ، وإذا أضيفت إلى نكرة تعيّن اعتبار تلك النكرة فيما لها من ضمير وغيره ، تقول : كلّ رجال أتوك فأكرمهم ، ولا يجوز أن يراعى لفظ « كل » فتقول : كلّ رجال أتاك فأكرمه ، وتقول : كلّ رجل أتاك فأكرمه ، ولا تقول : أتوك فأكرمهم ، اعتبارا بالمعنى ، فأما قوله : 249 - جادت عليه كلّ عين ثرّة * فتركن كلّ حديقة كالدرهم « 1 » فراعى المعنى فهو شاذ لا يقاس عليه ، وإذا أضيفت إلى معرفة فوجهان ، سواء كانت الإضافة لفظا نحو : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً « 2 » فراعى لفظ كل ، أو معنى نحو : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ « 3 » فراعى لفظها ، وقال : وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ « 4 » ، فراعى المعنى ، وقول بعضهم : إن « كلّما » تفيد التكرار ، ليس ذلك من وضعها ، فإنك إذا قلت : « كلما جئتني أكرمتك » كان المعنى : أكرمك في كلّ فرد فرد من جيئاتك إليّ . وقرئ « ضاء » ثلاثيا « 5 » ، وهي تدلّ على أنّ الرباعيّ لازم . وقرئ : « وإذا أظلم » مبنيا للمفعول « 6 » ، وجعله الزمخشريّ دالّا على أنّ أظلم متعد ، واستأنس أيضا بقول حبيب : 250 - هما أظلما حاليّ ثمّت أجليا * ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب « 7 » ولا دليل في الآية لاحتمال أن أصله : وإذا أظلم الليل عليهم ، فلمّا بني للمفعول حذف « الليل » وقام « عليهم » مقامه ، وأمّا حبيب فمولّد . وإنما صدّرت الجملة الأولى بكلما ، والثانية بإذا ، قال الزمخشري : « لأنهم حراص على وجود ما همّهم به معقود من إمكان المشيء وتأتّيه ، فكلّما صادفوا منه فرصة انتهزوها ، وليس كذلك التوقّف والتحبّس » وهذا الذي قاله هو الظاهر ، إلا أنّ من النحويين من جعل أنّ « إذا » تفيد التكرار أيضا « 8 » ، وأنشد :

--> ( 1 ) البيت لعنترة . انظر ديوانه ( 196 ) ، شرح التبريزي على المعلقات ( 331 ) ، الأشموني ( 2 / 248 ) ، الهمع ( 2 / 74 ) ، الدرر ( 2 / 91 ) . ( 2 ) سورة مريم ، آية ( 95 ) . ( 3 ) سورة العنكبوت ، آية ( 40 ) . ( 4 ) سورة النمل ، آية ( 87 ) . ( 5 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 90 ) . ( 6 ) انظر المصدر السابق . ( 7 ) انظر ديوانه ( 1 / 157 ) ، الكشاف ( 1 / 86 ) ، البحر ( 1 / 90 ) . ( 8 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 91 ) .