أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
129
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
209 - ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا * تصوّب فيه العين طورا وترتقي « 1 » وقوله : 210 - وزعت بكالهراوة أعوجيّ * إذا جرت الرّياح لها وثابا « 2 » ومثال جرّها بالإضافة قوله : 211 - فصيّروا مثل كعصف مأكول « 3 » * . . . وحال يتعيّن أن تكون فيها حرفا ، وهي : الواقعة صلة ، نحو : جاء الذي كزيد ، لأنّ جعلها اسما يستلزم حذف عائد مبتدأ من غير طول الصلة ، وهو ممتنع عند البصريين ، وحال يجوز فيها الأمران وهي ما عدا ذلك نحو : زيد كعمرو . وأبعد من زعم أنها زائدة في الآية الكريمة ، أي : مثلهم مثل الذي ، ونظّره بقوله : « فصيّروا مثل كعصف » كأنه جعل المثل والمثل بمعنى واحد ، والوجه أنّ المثل هنا بمعنى القصة ، والتقدير : صفتهم وقصتهم كقصة المستوقد فليست زائدة على هذا التأويل ، ولكن المثل بالفتح في الأصل بمعنى مثل ومثيل نحو : شبه وشبه وشبيه . وقيل : بل هي في الأصل الصفة ، وأمّا المثل في قوله : « ضرب مثلا » فهو القول السائر الذي فيه غرابة من بعض الوجوه ولذلك حوفظ على لفظه فلم يغيّر ، فيقال لكلّ من فرّط في أمر عسر تداركه : « الصيف ضيّعت اللبن » « 4 » ، سواء أكان المخاطب به مفردا أم مثنى أم مجموعا أم مذكرا أم مؤنثا ، ليدلّ بذلك على قصد عليه . و « الذي » في محلّ خفض بالإضافة ، وهو موصول للمفرد المذكر ، ولكن المراد به هنا جمع ، ولذلك روعي معناه في قوله : « ذهب اللّه بنورهم وتركهم » فأعاد الضمير عليه جمعا ، والأولى أن يقال إن « الذي » وقع وصفا لشيء يفهم الجمع ، ثم حذف ذلك الموصوف للدلالة عليه ، والتقدير : مثلهم كمثل الفريق الذي استوقد أو الجمع الذي استوقد ، ويكون قد روعي الوصف مرة ، فعاد الضمير عليه مفردا في قوله : « استوقد » و « حوله » ، والموصوف أخرى فعاد الضمير عليه مجموعا في قوله : « بنورهم ، وتركهم » . ووهم أبو البقاء فجعل هذه الآية من باب ما حذفت منه النون تخفيفا ، وأن الأصل : الذين ، ثم خفّف بالحذف ، وكأنه جعله مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا « 5 » ، وقول الشاعر : 212 - وإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد « 6 » والأصل : كالذين خاضوا ، وإنّ الذين حانت . وهذا وهم فاحش ، لأنه لو كان من باب ما حذفت منه النون لوجب مطابقة الضمير جمعا كما في قوله : كَالَّذِي خاضُوا و « دماؤهم » ، فلمّا قال تعالى : « اسْتَوْقَدَ » بلفظ الإفراد تعيّن أحد الأمرين المتقدّمين : إمّا جعله من باب وقوع المفرد موقع الجمع لأن المراد به الجنس ، أو أنه من باب ما وقع فيه صفة لموصوف يفهم الجمع .
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 176 ) . أمالي ابن الشجري ( 2 / 299 ) . ( 2 ) البيت لابن غادية السلمي . انظر اللسان ( ثوب ) . المقرب ( 1 / 196 ) . ( 3 ) البيت لرؤبة . انظر ملحقات ديوانه ( 181 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 131 ) ، الدرر ( 1 / 133 ) ، الخزانة ( 4 / 271 ) . ( 4 ) مجمع الأمثال ( 1 / 274 ) . ( 5 ) سورة التوبة ، آية ( 69 ) . ( 6 ) البيت للأشهب بن رميلة ، وقيل : لحريث بن محفض وقد تقدم .