أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
130
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وقال الزمخشري ما معناه : إنّ هذه الآية مثل قوله تعالى : كَالَّذِي خاضُوا ، واعتلّ لتسويغ ذلك بأمرين : أحدهما أنّ « الذي » لمّا كان وصلة لوصف المعارف ناسب حذف بعضه لاستطالته ، قال : « ولذلك نهكوه بالحذف ، فحذفوا ياءه ثم كسرته ثم اقتصروا منه على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين » . والأمر الثاني : أنّ جمعه ليس بمنزلة جمع غيره بالواو والنون ، إنما ذلك علامة لزيادة الدلالة ، ألا ترى أن سائر الموصولات لفظ الجمع والمفرد فيهنّ سواء . وهذا القول فيه نظر من وجهين ، أحدهما : أنّ قوله ظاهر في جعل هذه الآية من باب حذف نون « الذين » ، وفيه ما تقدّم من أنه كان ينبغي أن يطابق الضمير جمّعا كما في الآية الأخرى التي نظّر بها . والوجه الثاني : أنه اعتقد كون أل الموصولة بقية « الذي » ، وليس كذلك ، بل أل الموصولة اسم موصول مستقل ، أي : غير مأخوذ من شيء ، على أن الراجح من جهة الدليل كون أل الموصولة حرفا لا اسما كما سيأتي . وليس لمرجّح أن يرجّح قول الزمخشري بأنهم قالوا : إنّ الميم في قولهم : « م اللّه » بقية أيمن ، فإذا انتهكوا أيمن بالحذف حتى صار على حرف واحد فأولى أن يقال بذلك فيما بقي على حرفين ، لأن أل زائدة على ماهيّة « الذي » فيكونون قد حذفوا جميع الاسم ، وتركوا ذلك الزائد عليه بخلاف ميم أيمن ، وأيضا فإنّ القول بأنّ الميم بقية أيمن قول ضعيف مردود يأباه قول الجمهور . وفي « الذي » لغات : أشهرها ثبوت الياء ساكنة . وقد تشدّد مكسورة مطلقا ، أو جارية بوجوه الإعراب ، كقوله : 213 - وليس المال فاعلمه بمال * وإن أرضاك إلّا للّذيّ ينال به العلاء ويصطفيه * لأقرب أقربيه وللقصيّ « 1 » فهذا يحتمل أن يكون مبنيّا وأن يكون معربا ، وقد تحذف ساكنا ما قبلها ، كقول الآخر : 214 - فلم أر بيتا كان أكثر بهجة * من اللّذ به آل عزّة عامر « 2 » أو مكسورا ، كقوله : 215 - واللّذ لو شاء لكانت برّا * أو جبلا أصمّ مشمخرا « 3 » ومثل هذه اللغات في « التي » أيضا ، قال بعضهم : « وقولهم هذه لغات ليس جيدا لأنّ هذه لم ترد إلا ضرورة ، فلا ينبغي أن تسمّى لغات » . واستوقد استفعل بمعنى أفعل ، نحو : استجاب بمعنى أجاب ، وهو رأي الأخفش ، وعليه قول الشاعر : 216 - وداع دعايا من يجيب إلى النّدى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب « 4 »
--> ( 1 ) البيتان في أمالي ابن الشجري ( 2 / 315 ) ، رصف المباني ( 76 ) ، الإنصاف ( 675 ) ، الدرر ( 2 / 55 ) ، الخزانة ( 2 / 497 ) ، اللسان ( لذا ) . ( 2 ) البيت في الإنصاف ( 671 ) ، الدرر ( 1 / 56 ) . ( 3 ) البيت في أمالي ابن الشجري ( 2 / 305 ) ، الهمع ( 1 / 82 ) ، الإنصاف ( 671 ) ، الخزانة ( 2 / 498 ) ، الدرر ( 1 / 56 ) . ( 4 ) البيت لكعب بن مسعد الغنوي . الأصمعيات ( 96 ) ، الكشاف ( 4 / 330 ) .