أبي حيان الأندلسي
670
تفسير النهر الماد من البحر المحيط
وَمِنَ النَّاسِ قال ابن زيد : نزلت في المنافقين ولما ذكر تعالى ما أعده للمؤمنين ذكر حال المنافقين ناسا آمنوا بألسنتهم فإذا آذاهم الكفار جعلوا ذلك الأذى وهو فتنة الناس صارفا عن الإيمان كما أن عذاب اللّه صارف للمؤمنين عن الكفر ولنجعل اللام فيه لام الأمر وأكثر ما تدخل لام الأمر على المضارع المراد به الغائب كقوله : ثم ليقطع فلينظر وقد جاء في المخاطب قليلا قرأ بعضهم فبذلك فليفرحوا وأما دخوله على المتكلم فهو قليل وقد جاء في الحديث وحولها على المضارع المتكلم قوموا فلا صل لكم والحمل هنا مجاز شبه القيام بما يتحصل من عواقب الإثم بالحمل على الظهر والخطايا بالمحمول ولما كان الأمر يراد به الخبر صح فيه أن يكذب . وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي سؤال توبيخ وتقريع قال الزمخشري بعد كلام وهذا قول صناديد قريش كانوا يقولون لمن آمن منهم لا نبعث نحن ولا أنتم فإن عسى كان ذلك فنحن فتحمل عنكم الإثم « انتهى » قوله : فإن عسى كان تركيب أعجمي لا عربي لأن أن الشرطية لا تدخل على عسى لأنه فعل جامد ولا تدخل أدوات الشرط على القول الجامد وأيضا فإن عسى لا يليها كان واستعمل عسى بغير اسم ولا خبر ولم يستعملها تامة . وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ذكر هذه القصة تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان يلقى من أذى الكفار فذكر ما لقي أول الرسل نوح عليه السّلام من أذى قومه المدد المتطاولة تسلية لخاتم الرسل صلوات اللّه عليه وسلم والواو في ولقد واو عطف عطفت جملة على جملة والاستثناء من الألف استدل به على جواز الاستثناء من العدد وفي كونه ثابتا من لسان العرب خلاف مذكور في النحو واختلف في مقدار عمره حين بعث وحين مات اختلافا كثيرا قال ابن عطية وقد يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته من لدن مولده إلى غرق قومه « انتهى » ليس عندي بمحتمل لأن اللبث تعقب بالفاء الدالة على التعقيب والضمير في وجعلناها يحتمل أن يعود على السفينة وأفرد آية وجاءت الفاصلة للعالمين لأن إنجاء السفن أمر معهود فالآية إنجاؤه تعالى أصحاب السفينة وقت الحاجة ولأنها بقيت أعواما حتى مر عليها الناس ورأوها فحصل لهم العلم بها فناسب ذلك قوله للعالمين