حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
180
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
إشارة إلى أن مجرد الإصغاء لا يفيد ما لم يكن المصغي حاضرا بفطنته وذهنه . وفي الآية ترتيب حسن لأنه إن كان ذا قلب ذكيّ يستخرج المعاني بتدبره وفكره فذاك وإلا فلا بد أن يكون مستمعا مصغيا إلى كلام المنذر ليحصل له التذكير . قال المفسرون : زعمت اليهود أن اللّه تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش فردّ اللّه عليهم بقوله وَلَقَدْ خَلَقْنَا إلى قوله وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ أي إعياء . ثم سلى رسوله فأمره بالصبر على أذى الكفار . وفيه لطيفة وهي أن اللّه تعالى مع كمال قدرته واستغنائه صبر على أذى الجهلة الذين نسبوه إلى اللغوب والاحتياج إلى الاستراحة ، فكيف لا يصبر رسوله على إيذاء أمته ؟ بل كيف لا يصبر أحدنا على أذى أمثالنا وخاصة إن كانوا مسلطين علينا ؟ اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا وادفع عنا بقدرتك شر كل ذي شر ووا غوثاه ووا غوثاه ووا غوثاه . وقد سبق نظير الآية في آخر « طه » ودلالتها على الصلوات الخمس ظاهرة وَأَدْبارَ السُّجُودِ أعقاب الصلوات فإن السجود والركوع يعبر بهما عن الصلاة ، والأظهر أنه الأدعية والأذكار المشتملة على تنزيه اللّه تعالى وتقديسه . وقيل : النوافل بعد المكتوبات . وعن ابن عباس : هي الوتر بعد العشاء . ومن قرأ بكسر الهمزة أراد انقضاء الصلاة وإتمامها وهو مصدر وقع موقع الظرف أي وقت انقضاء السجود كقولك « آتيك خفوق النجم » . قال أهل النظم : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم له شغلان : أحدهما عبادة اللّه ، والثاني هداية الخلق . فإذا هداهم ولم يهتدوا قيل له : اصبر واقبل على شغلك الآخر وهو العبادة . ثم بين غاية التسبيح بقوله وَاسْتَمِعْ يعني اشتغل بتنزيه اللّه وانتظر المنادي كقوله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] ومفعول اسْتَمِعْ متروك أي كن مستمعا لما أخبرك به من أهوال القيامة ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين . قال جار اللّه : وفي ترك المفعول وتقديم الأمر بالاستماع تعظيم لشأن المخبر به والمحدّث عنه كما روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال سبعة أيام لمعاذ بن جبل : يا معاذ اسمع ما أقول لك ثم حدثه بعد ذلك . وانتصب يوم ينادي بما دل عليه ذلك يوم الخروج أي يوم ينادي المنادي يخرجون من القبور . والمنادي قيل اللّه كقوله وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ [ القصص : 32 ] احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [ الصافات : 22 ] والأظهر أنه إسرافيل صاحب الصيحة ينفخ في الصور فينادي أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن اللّه يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء . وقيل : إسرافيل ينفخ وجبرائيل ينادي بالحشر . والمكان القريب صخرة بيت المقدس . يقال إنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا . وقيل : من تحت أقدامهم . وقيل : من منابت شعورهم يسمع من كل شعرة أيتها العظام البالية وهذا يؤيد القول بأن