حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

111

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا ، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال . وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض ، ازدادوا إيمانا وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس ، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا وقبولا ودبورا ، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم . وأقول : الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان : نفسية وخارجية . فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه ، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية . فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق ، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر ، وأما تقديم السماوات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود . تِلْكَ مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و نَتْلُوها في محل الحال . وقوله بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ كقولهم : أعجبني زيد وكرمه . وأصله بعد آيات اللّه . والمعنى أن من لم يؤمن بكلام اللّه فلن يؤمن بحديث سواه . وقيل : معناه القرآن آخر كتب اللّه ، ومحمد آخر رسله . فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي . ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان . قوله وَإِذا عَلِمَ أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء ، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كاعتراض ابن الزبعري في قوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأنبياء : 98 ] وإنما أنّث الضمير في قوله اتَّخَذَها لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزوا ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه . قوله مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر ، وقد مر في سورة إبراهيم عليه السلام هذا هُدىً أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد . ثم ذكر دليلا آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مرارا . وقوله وَلِتَبْتَغُوا أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري . ثم عمم بعد التخصيص وقوله مِنْهُ في موضع الحال أي سخر جميع ما في السماوات والأرض كائنة منه ، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه . عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد اللّه بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له : ما حبسك ؟ قال : غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحدا يستقي حتى ملأ قرب النبي