حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
16
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الفساد ، وأما النقل فقوله هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي عظة لأمتي . عن ابن عباس واختاره القفال والزجاج أنه أراد هذا هو الكتاب المنزل على من معي من الأمة وهذا هو الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء وأممهم يعني التوراة والإنجيل والزبور والصحف والكل وارد في معنى التوحيد ونفي الشركاء . وعن سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل والسدي أن قوله وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي صفة للقرآن أيضا لأنه اشتمل على أحوال الأمم الماضية كما اشتمل على أحوال هذه الأمة . ثم ختم الآية بقوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ تنبيها على أن وقوعهم في هذا المذهب الباطل ليس لأجل دليل ساقهم إليه بل لأن عندهم ما هو أصل الشر والفساد وهو عدم العلم وفقد التمييز بين الحق والباطل ، فلذلك أعرضوا عن استماع الحق وطلبه ، وفي لفظ الأكثر إشارة إلى أن فيهم من يعلم ولكنه يعاند ، أو أجري لفظ الأكثر على الكل على عادة الفصحاء كيلا يكون الكلام بصدد المنع . ثم قرر آي التوحيد خصوصا قوله هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي على أحد التفسيرين بقوله وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ الآية . ثم رد على خزاعة وأمثالهم القائلين بأن الملائكة بنات اللّه بقوله وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ثم نزه نفسه عن ذلك بقوله سُبْحانَهُ ثم أخبر عما هم عليه في الواقع وهو أن الملائكة عباد اللّه مُكْرَمُونَ مقربون لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ أي بقولهم أي يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ فهم التابعون لأمر اللّه في أقوالهم وأفعالهم يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وقد مر تفسيره في « طه » وفي آية الكرسي وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى كقوله في طه لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [ طه : 109 ] وقد مر البحث فيه . قال في الكشاف وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أي متوقعون من أمارة ضعيفة . قلت : لعله أراد أنهم يتوقعون ما هو سبب لخشيته وهو العقاب من أدنى أمارة بخلاف البشر فإنهم لا يتوقعون ذلك إلا من أمارة قوية . ويحتمل أن يقال : إنهم يخشون اللّه ومع ذلك يحذرون من أن تلك الخشية يقع فيها تقصير . عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه رأى جبرئيل عليه السلام ليلة المعراج ساقطا كالحلس من خشية اللّه عزّ وجل . ثم نبه على غاية عظمته ونهاية جبروته بقوله وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فيحتمل أن يدعي الإلهية لنفسه دون اللّه أو يدعي أنه إله مع اللّه أي بعد مجاوزة إلهيته وهذا على سبيل الفرض والتقدير كقوله وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 88 ] وفي قوله فَذلِكَ دون أن يقول فهو تبعيد للمشرك الجاحد عن ساحة عزته وفيه تفظيع لأمر الشرك وتهديد عظيم لمن أشرك ، وأراد بالظلم هاهنا الشرك ، والمعتزلة عمموه والأول أظهر . ثم عدل في أدلة التوحيد إلى منهج آخر من البيان وهو الاستدلال بالآفاق