حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

17

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

والأنفس قائلا أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي جماعة السماوات وجماعة الأرض كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما الرتق بالسكون السد . رتقت الشيء فارتتق أي التأم ومنه امرأة رتقاء ومصدرها الرتق بالتحريك ، والفتقاء ضدها أي كانتا مرتوقتين فجعلناهما مفتوقتين . عن ابن عباس في رواية عكرمة وهو قول الحسن ، وقتادة أن المراد كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل اللّه بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض . ومثله قول كعب : خلق اللّه السماوات والأرض ملتصقتين ، ثم خلق ريحا توسطتهما فحصل الفتق ، وقال أبو صالح ومجاهد : كانت السماوات متلاصقات لا فرج بينها ففتقها اللّه بأن جعلها سبعا وكذلك الأرضون . وعن ابن عباس في رواية أخرى وعليه كثير من المفسرين ، أن السماوات والأرض كانتا رتقا بالاستواء والصلابة ففتق اللّه السماء بالمطر والأرض بالنبات والشجر . ويشبه أن يراد بالسماوات على هذا التفسير السحب نظيره قوله وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ [ الطارق : 12 ] ويؤيده قوله عقيبه وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وقيل : إنهما جمع السماوات وإن كان نزول المطر من السماء الدنيا فقط باعتبار الجهة لأن جهتها هي جهتهنّ ، أو باعتبار أن كل قطعة منها سماء فيكون كقولهم « ثوب أخلاق » « وبرمة أعشار » وقريب من هذا قول من قال : المعنى أن السماوات والأرض كانتا مظلمتين ففتقهما اللّه تعالى بإظهار النور فيهما كقوله وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [ يس : 37 ] وقال أبو مسلم الأصفهاني : الرتق حالة العدم إذ ليس فيها ذوات متميزة فكأنها أمر واحد متصل متشابه ، والفتق الإيجاد لحصول التمييز وانفصال بعض الحقائق عن البعض فيكون كقوله فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 14 ] والفطر الشق . وعن بعض علماء الإسلام أن الرتق انطباق منطقتي الحركتين الأولى والثانية الموجب لبطلان العمارات وفصول السنة ، والفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة ولتغير الفصول وفيه بعد . وهاهنا سؤال : وهو أن الكفار متى رأوهما رتقا حتى صح هذا الاستفهام للتقرير ؟ كيف وقد قال اللّه تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ [ الكهف : 51 ] والجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر فإن فتق السماء بالمطر والأرض بالنبات أو فتقهما بتنفيذ النور فيهما وإظهاره عليهما أمور محسوسة ، وكذا إدخالهما من العدم إلى الوجود مما يشهد به الحس السليم والعقل المستقيم . وأما على القولين الأولين فلعلهم علموا ذلك من أهل الكتاب وكانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التوافق في عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال صاحب الكشاف في الجواب : إنه وارد في القرآن الذي هو معجزة في نفسه فقام مقام المرئي المشاهد ، أو أن تلاصق الأرض والسماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل فلا بد للتباين دون التلاصق من