حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

277

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

لزم أن لا نصرة بالضرورة . قال : ويجوز أن يرجع الضمير في وَلِيُّهُمُ إلى مشركي قريش وأنه زين للكفار قبلهم أعمالهم فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم ، ويجوز أن يكون على حذف المضاف أي فهو ولي أمثالهم اليوم . ثم ذكر سبحانه أنه ما هلك من هلك إلا بعد إقامة الحجة وإزاحة العلة فقال : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ كالشرك والتوحيد والجبر والقدر والإقرار بالبعث والإنكار له ، وكتحريم الأشياء المحللة كالبحيرة والسائبة وتحليل الأشياء المحرمة كالميتة والدم . وَهُدىً وَرَحْمَةً انتصبا على أنهما مفعول لهما ولا حاجة إلى اللام لأنهما فعلا فاعل ، والفعل المعلل بخلاف التبيين فإنه فعل المخاطب لا فعل المنزل ولهذا دخل عليه اللام . قال الكعبي : وصف القرآن بكونه هدى ورحمة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لا ينافي كونه كذلك في حق الكل . وخص المؤمنون بالذكر من حيث إنهم قبلوه وانتفعوا به . ولما امتد الكلام في وعيد الكفار عاد إلى تقرير الإلهيات فقال : وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وفي العنكبوت : مِنْ بَعْدِ مَوْتِها [ الآية : 63 ] لأن هنالك سؤال تقرير والتقرير يحتاج إلى التحقيق فقيد الظرف ب « من » للاستيعاب . وأيضا حذف « من » في هذه السورة موافقة لقوله عما قريب : لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً وإنما حذف « من » هنا بخلاف ما في الحج لأنه أجمل الكلام في هذه السورة فقال : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وأطنب في الحج فقال : خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [ الحج : 5 ] الآية . فاقتضى الإيجاز الحذف والإطناب الإثبات إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ سماع تأمل وتدبر فمن لم يسمع متدبرا فكأنه أصم ، ثم استدل بعجائب أحوال الحيوانات قائلا : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ وفي سورة المؤمنين : مِمَّا فِي بُطُونِها [ الآية : 21 ] فذكر النحويون أن الأنعام من جملة الكلمات التي لفظها مفرد ومعناها جمع كالرهط والقوم والنعم . فجاز تذكيره حملا على اللفظ وتأنيثه حملا على المعنى . قال المبرد : هذا شائع في القرآن قال تعالى : فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي [ الأنعام : 78 ] بمعنى هذا الشيء الطالع . وقال : كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ [ عبس : 11 ] أي ذكر هذا الشيء . وعند سيبويه الأنعام من الأسماء المفردة الواردة على أفعال . وجوّز في الكشاف أن يكون تأنيثه على أنه تكسير نعم . وقيل : إن الأنعام بمعنى النعم لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع والجمع بالآحاد . قلت : ما ذكره الأئمة حسن إلا أنه لا يقع جوابا عن التخصيص . ولعل السر فيه أن الضمير في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث ، لأن اللبن لا يكون للكل فالتقدير : وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ، وأما في « المؤمنين » فإنه لما عطف