حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

278

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض وهو قوله : وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها [ المؤمنون : 22 ] لم يتحمل أن يكون المراد به البعض فأنث ليكون نصا على أن المراد بها الكل . روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال : إذا استقر العلف في الكرش صار أسفله فرثا وأعلاه دما وأوسطه لبنا خالصا فيجري الدم في العروق واللبن في الضروع ويبقى الفرث كما هو فذلك هو قوله تعالى : مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً لا يشوبه الدم ولا الفرث . وأنكر الأطباء هذا القول لأنه على خلاف الحس والتجربة . أما الحس فلأن الأنعام تذبح ذبحا متواليا ولا يرى في كرشها دم ولا لبن ، وأما التجربة فلأن الدم لو كان في أعلى المعدة والكرش كان يجب إذا قاء أن يقيء الدم وليس كذلك ، بل الحق أن الحيوان إذا تناول العلف حصل له في معدته أو كرشه هضم أوّل ، فما كان منه صافيا انجذب إلى الكبد ، وما كان كثيفا نزل إلى الأمعاء . ثم الذي يحصل في الكبد ينطبخ فيها ويصير دما وذلك هو الهضم الثاني . ويكون مخلوطا بالصفراء والسوداء وزيادة المائية . أما الصفراء فتذهب إلى المرارة ، والسوداء إلى الطحال ، والماء إلى الكلية ، ومنها إلى المثانة . وأما الدم فإنه يدخل في الأوردة وهي العروق النابتة من الكبد وهناك يحصل الهضم الثالث . وبين الكبد والضرع عروق كثيرة فينصب الدم في تلك العروق إلى الضرع وهو لحم غددي رخو أبيض فيقلب اللّه الدم هناك إلى صورة اللبن ، وإنما اختص هذا المعنى بالحيوان الأنثى لأن الحكمة الإلهية اقتضت تدبير كل شيء على الوجه اللائق به ، والذكر من كل حيوان أسخن وأجف ، والأنثى أبرد وأرطب لأن بدن الأنثى يحتاج إلى مزيد رطوبة لتصير مادة لتولد الولد ويتسع بدنها له . ثم إن تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في الرحم تنصب بعد انفصال الجنين إلى الثدي لتصير مادة لغذاء الطفل . واعلم أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذا يخرج منه ثفل الغذاء ، فإذا تناول الإنسان غذاء أو شربة رقيقة انطبق ذلك المنفذ انطباقا كليا إلى أن يكمل انهضامه في المعدة وينجذب ما صفا منه إلى الكبد ، ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل فهذا الانطباق والانفتاح بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم . وأيضا إنه أودع في الكبد قوّة جاذبة للأجزاء اللطيفة التي في ذلك المأكول والمشروب طابخة لها حتى تنقلب دما دون الأجزاء الكثيفة وفي المعدة بالعكس ، وأودع في المرارة قوة جاذبة للصفراء ، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائية ، وتخصيص كل واحد من هذه الأعضاء بفعله الخاص به لا يمكن إلا بتدبير العليم الخبير . وكذا الكلام في انصباب مادة اللبن إلى الثدي في وقت يحتاج الطفل إلى الغذاء وتوزعها على جميع البدن في غير ذلك الوقت . ثم إنه تعالى