حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

233

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بنصفين قسم ثناء وقسم دعاء ، وقد ورد الحديث في هذا المعنى « قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين » « 1 » وقد مر في أول الكتاب . وأيضا كلماتها مثناة مثل : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِيَّاكَ و إِيَّاكَ الصِّراطَ صِراطَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمْ واشتمالها على ثناء اللّه تعالى وتحميده مقرر ومما يتفرع على هذا القول ما نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال : كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب . فقيل : كأنه رأى أنه تعالى عطف عليه قوله : وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ والعطف يوجب المغايرة فوجب أن تكون السبع المثاني غير القرآن . والجواب أنه قد يكون بعطف الجزء على الكل كقوله : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [ البقرة : 98 ] أو بالعكس كما في الآية . والمقصود في الوصفين تميز البعض عن الكل تنبيها على مزية ذلك البعض وشرفه . فإن قلت : ليس لعطف الكل على البعض نظير ، والاستدلال بالآية استدلال بصورة النزاع من غير دليل . قلنا : يكفي بقوله : وَلَقَدْ آتَيْناكَ دليلا على أنه من القرآن . وعن ابن عمر وسعيد بن جبير في رواية : أن السبع المثاني هي السبع الطوال سميت بذلك لما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك ، أو لأنها تثني على اللّه بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى . وأنكر الربيع هذا القول لأن هذه السورة مكية وأكثر تلك السورة مدنية . وأجيب بأن المراد من الإيتاء إنزالها إلى السماء الدنيا ، والمكية والمدنية في ذلك سيان ، وضعف بأن إطلاق لفظ الإيتاء على ما لم يصل بعد إليه خلاف الظاهر . وقال قوم : السبع المثاني هي التي دون الطوال والمئين وفوق المفصل ، واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه أعطاني السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطاني المئين مكان الإنجيل ، وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل » « 2 » . قال الواحدي : والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطول مثاني . وروي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس أنها هي القرآن لقوله سبحانه : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ الزمر : 23 ] وأنها سبعة أسباع كرر فيها دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف . ومعنى العطف على هذا القول الجمعية كقوله : إلى الملك القرم وابن الهمام . وكأنه قيل : آتيناك ما هو الجامع لكونه سبعا مثاني ولكونه قرآنا عظيما . قال الزجاج ووافقه صاحب الكشاف : و « من » في مِنَ الْمَثانِي للبيان أو للتبعيض إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطول ، وللبيان إذا أردت الأسباع .

--> ( 1 ، 2 ) رواه مسلم في كتاب الصلاة حديث : 38 ، 40 . أبو داود في كتاب الصلاة باب : 132 . الترمذي في كتاب تفسير سورة الفاتحة باب : 1 . النسائي في كتاب الافتتاح باب : 23 . ابن ماجة في كتاب الأدب باب : 52 . أحمد في مسنده ( 2 / 241 ، 285 ) .