حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
234
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ولما عرف رسوله نعمه الدينية ورغبه فيها نفره من اللذات العاجلة الزائلة لأن كل نعمة وإن عظمت فإنها بالنسبة إلى نعمة القرآن ضئيلة حقيرة ، ومنه الحديث « من لم يتغن بالقرآن أي لم يستغن به - فليس منا » « 1 » وقول أبي بكر : من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا . فمن حق قارئ القرآن الواقف على معانيه أن لا يشغل سره بالالتفات إلى الدنيا وزهرتها . قال الواحدي : إنما يكون مادّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه ، وإدامة النظر إليه تدل على استحسانه وتمنيه . وقال في الكشاف : معنى لا تَمُدَّنَّ لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه متمن له إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أي أصنافا من الكفار قاله ابن قتيبة . وقال الجوهري : الأزواج القرناء . وقال بعضهم : لا تمدن عينيك أي لا تحسدنّ أحدا على ما أوتي من الدنيا . وضعف بأن الحسد منهي عنه مطلقا فكيف يحسن تخصيص الرسول به ؟ ويمكن أن يجاب بأن المراد منه نهي التكوين كقوله : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 14 ] . أو المراد الغبطة فهي محظورة عليه صلى اللّه عليه وسلم لجلالة منصبه وإن كانت جائزة لأمته . ويروى أنه وافت من بلاد الشام سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوّينا بها ولأنفقناها في سبيل اللّه . فقال لهم اللّه عزّ وجل : لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع . وإنما قال في هذه السورة لا تَمُدَّنَّ بغير واو العطف لأنه لم يسبقه طلب بخلاف ما في سورة طه . ثم لما نهاه عن الالتفات إلى أموالهم وأمتعتهم نهاه عن الالتفات إليهم أنفسهم وإن لم يحصل لهم في قلبه قدر ووزن فقال : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على أنهم لم يؤمنوا فيتقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون ، وكما أمره بالتكبر على الأغنياء والترفع عنهم إذا كانوا كفارا أمره بالتواضع للفقراء إذا كانوا مؤمنين فقال : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ الخفض نقيض الرفع ، وجناحا الإنسان يداه ، وخفضهما كناية عن اللين والرفق . وإنما قال في سورة الشعراء بزيادة لِمَنِ اتَّبَعَكَ [ الآية : 215 ] لأنه قال قبله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الآية : 214 ] فلو لم يذكر هذه الزيادة لكان الظاهر أن اللام للعهد فصار الأمر بخفض الجناح مختصا بالأقربين من عشيرته فزيد لِمَنِ اتَّبَعَكَ [ الشعراء : 215 ] ليعلم أن هذا التشريف شامل لجميع متبعيه من الأمة . ولما بعثه على الرفق بأهل الإيمان أمره بالإنذار لكل المكلفين فقال : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب : 44 . أبو داود في كتاب الوتر باب : 20 . الدارمي في كتاب الصلاة باب : 171 . أحمد في مسنده ( 1 / 172 ، 175 ) .