حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

191

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها . والثانية : أَصْلُها ثابِتٌ راسخ آمن من الانقطاع . ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله . والثالثة وَفَرْعُها فِي السَّماءِ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ . ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات . قال في الكشاف : فرعها أعلاها ورأسها ، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس . الصفة الرابعة تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ أي تعطي ثمرها كل وقت وقّته اللّه لأثمارها . وعن ابن عباس : الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر . وقال مجاهد وابن زيد : سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة . وقال الزجاج : الحين الوقت طال أم قصر . والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلا ونهارا صيفا وشتاء بِإِذْنِ رَبِّها بتيسير خالقها وتكوينه . قال المحققون : معرفة اللّه تعالى والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي ، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئا من الحاس . أما نور معرفة اللّه وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به . ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية ، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد . وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر اللّه ، ومنشؤها القوة النظرية ، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها ، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق اللّه عموما وخصوصا . وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [ الحشر : 2 ] وسمعه للحكمة الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] ونطقه بالصدق والصواب وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً [ الأحزاب : 70 ] . وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء . وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات . وإذا صار جوهر النفس كاملا بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملا لغيره وذلك قوله : تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ . وفي قوله : بِإِذْنِ رَبِّها إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب أن يكون على المفيض لا على الفيض ، وعلى المنعم لا على النعمة . وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان . وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفس كلمة طيبة كما قال في حق عيسى بِكَلِمَةٍ