حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
192
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
مِنَ اللَّهِ [ آل عمران : 39 ] . وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما . فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة ، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك . ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ما لَها مِنْ قَرارٍ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات . وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة ؟ فقال : ما أعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة . قلت : وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل . والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين ، وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار ، تراها أبدا تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران . ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال . هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد ، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبور لم يتلعثموا ، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا . عن ابن عباس : من داوم على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته اللّه عليها في قبره ويلقنه إياها . وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك . والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار . وإنما فسرت الآخرة هاهنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة . فمعنى الآية يثبت اللّه الذين آمنوا باللّه وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين ، أو يثبتهم اللّه فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت . وقيل : معنى الآية يثبتهم اللّه على الثواب والكرامة بسبب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا ، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة . ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلقا بقوله : يُثَبِّتُ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول . ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب ، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله سبحانه : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين ، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري . وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ