حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

190

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

أنه قرأ : وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو « عصاي » فما بالها وقبلها ياء . وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب ، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره . قوله : إني كفرت بما أشركتموني إن كانت « ما » مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع اللّه في الطاعة وفي أن لي تدبيرا وتصرفا في هذا العالم ، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن « ما » في معنى « من » كقوله : « سبحان ما سخركن لنا » فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم باللّه الذي أشركتمونيه . ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول : لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت باللّه قبل أن كفرتم ، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة ، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة . أما قوله : إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فالأظهر أنه كلام اللّه ، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعا لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته . ثم شرع في أحوال السعداء وقال : وَأُدْخِلَ على لفظ الماضي تحقيقا للوقوع ، وقوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ متعلق ب أُدْخِلَ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن اللّه وأمره . وقرأ الحسن وَأُدْخِلَ على لفظ المتكلم . قال في الكشاف : فعلى هذا يتعلق قوله : بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم . وقد تقدم معنى قوله : تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ في أول سورة يونس . ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم ، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلا . قال في الكشاف كَلِمَةً طَيِّبَةً نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهو تفسير لقوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أو ضرب بمعنى جعل أي جعل اللّه كلمة طيبة مثلا . ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة . وقال صاحب حل العقد : أظن أن الوجه أن يجعل قوله : كَلِمَةً عطف بيان ، وقوله : كَشَجَرَةٍ مفعول ثان . عن ابن عباس : الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . والشجرة الطيبة شجرة في الجنة . وعن ابن عمر : هي النخلة . وقيل : الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة . والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك . وقيل : لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة ، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل أن يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن . أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب