حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

6

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

في كتابه في فضائل الصحابة ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هذا سيد العرب » فقالت عائشة : ألست سيد العرب ؟ فقال : « أنا سيد العالمين وهو سيد العرب » . ومما يؤكّد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة رئيس القرية . ولما كانت نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم أعمّ من نبوة سائر الأنبياء فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة ، فلا جرم أعطي من كنوز العلم والحكمة وذخائر المعارف والحقائق ، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده . هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من معجزاته ؛ فآدم جعل مسجود الملائكة ، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحا وريحانا ، وأوتي موسى العصا واليد البيضاء ، وداود لان الحديد في يده ، وسليمان أعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مسخرين له ، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى قال : « لا تفضلوني على يونس بن متى » . وقال : « لا تخيروا بين الأنبياء » « 1 » . وقال « لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا » وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها . والجواب أن كون آدم مسجودا للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد صلى اللّه عليه وسلم بدليل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة » « 2 » وقوله : « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » . ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ ركاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود ، وأنه تعالى يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة ، وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرّة واحدة على أن ذلك السجود أيضا إنما كان لأجل نور محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي كان في جبهته ، وأن أول الفكر آخر العمل ولهذا قال : « لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك » ومن تأمّل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كان لنبي قبله معجزة أفضل منها لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وأما قوله : « لا تفضلوني . . . . ولا تخيروا » ، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب . وأيضا التمييز بين الشخصين إنما يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعا وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد ، فورد النهي عنه حتى لا يؤدي إلى محذور . والحاصل أن التوفيق بين قوله « لا تفضلوني » وبين ما مرّ من الأحاديث أن كلا منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر ، فحيث رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 35 . مسلم في كتاب الفضائل حديث 159 بلفظ « لا تفضلوا بين الأنبياء » . ( 2 ) رواه الترمذي في كتاب المناقب باب 1 . أحمد في مسنده ( 1 / 281 ) .