حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

7

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

السالفة منعهم عن ذلك ، وقال : « أنا أكرم الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين » « 1 » . وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك وقال : « لا تفضلوني » ؛ على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء ، للواقع فقد يكون الشيء حقا في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى المكلف ، فالمراد بهذا الأمر : لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمّكم ، وإنما المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم . ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله : مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ التقدير : من كلمه ، فحذف العائد وقرئ كلم اللّه بالنصب وليس بقوي ؛ فإن كلّ مصلّ فإنه يكلم اللّه قال صلى اللّه عليه وسلم « المصلي يناجي ربه » . وإنما الشرف في أن يكلمه اللّه قال الأشعري : المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت ، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا في جهة . وقالت المعتزلة : سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال . واتفقوا على أن موسى قد كلمه اللّه واختلف في أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم ليلة المعراج هل كلمه اللّه أم لا ؛ منهم من قال نعم بدليل قوله : فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى [ النجم : 10 ] وأورد هاهنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة ، فقد كلم اللّه إبليس حيث قال : أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [ الأعراف : 14 ، 15 ] الآيات ، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى كلّمه من غير واسطة ، فلعلّ الواسطة كانت موجودة . قلت : هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان : مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى ، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس : وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ [ ص : 78 ] وكما في أهل النار : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] . أما قوله : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ فقيل : المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة فاتخذ إبراهيم خليلا ، وأعطى داود الملك والنبوة ، وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح . وخصّ يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان ، وخصّ محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالبعث إلى الثقلين وكونه خاتم النبيين إلى سائر خصائصه . هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب . أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضا وجه ؛ وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعا آخر من المعجزة لائقا بزمانه ؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر ، ومعجزات عيسى

--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب 3 . مسلم في كتاب الإيمان حديث 327 . الترمذي في كتاب القيامة باب 10 . بلفظ « أنا سيد الناس يوم القيامة » .