حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
18
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
بمعنى « فاعل » والتركيب يدل على القرب ، فالمحب ولي لأنه يقرب منك بالمحبة والنصرة ، ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير ، وفيه دليل على أن ألطاف اللّه تعالى في حق المؤمنين وفيما يتعلق بالدين أكثر من ألطافه في حق الكافر ، وذلك أنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى ومن الشك إلى اليقين . والإخراج يشمل الكافر إذا آمن والمؤمن الأصلي ، ولا يبعد أن يقال يخرجهم إلى النور من الظلمات ، وإن لم يكونوا في الظلمة البتة ؛ فإن العبد لو خلا عن توفيق اللّه تعالى لحظة لوقع في ظلمات الجهالات والضلالات فصار توفيقه تعالى سببا لدفع تلك الظلمات عنه ، وبين الدفع والرفع تشابه ، ومثله قوله : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [ آل عمران : 103 ] ومعلوم أنهم ما كانوا قط في النار . ويروى أنه صلى اللّه عليه وسلم سمع إنسانا قال : أشهد أن لا إله إلا اللّه فقال : « على الفطرة » فلما قال : أشهد أن محمدا رسول اللّه قال : « خرج من النار » ومن المعلوم أنه ما كان فيها . قال الواحدي : كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه تعالى أراد بهما الكفر والإيمان إلا قوله في أول الأنعام وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] فإنه عنى به الليل والنهار . قال : وإنما جعل الكفر ظلمة لأنه كالظلمة في المنع من الإدراك ، وجعل الإيمان نورا لأنه كالسبب في حصول الإدراك . قلت : قد مر أن الإيمان والعلم وجميع الكمالات النفسانية والمعارف اليقينية أنوار تزداد النفس بها نورية وإشراقا فلا حاجة إلى هذا التكلف . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ مصدر ، ولهذا وحد في موضع الجمع يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ وإنما وحد النور وجمع الظلمة لأن الحق وما يرجع إليه طريقه واحد وهو أيضا في نفسه واحد ، وأما الباطل فلا حصر له ولا لطرقه . كما أن الخط المستقيم الواصل بين النقطتين واحد ، والمنحنية غير محدود . وإسناد الإضلال إلى الطاغوت ، وهو كل من ينسب إلى الطغيان ، كالمجاز فإن الحوادث بأسرها تستند إلى المبدأ الأول بالحقيقة وتنتهي إلى قضائه وقدره كما سبق تحقيقه مرارا . أُولئِكَ الكفار أو هم مع من يطيعهم من الوسائط والوسائل أَصْحابُ النَّارِ فيكون زجرا للكل ووعيدا لهم أعاذنا اللّه من ذلك . التأويل : الْحَيُّ الْقَيُّومُ : أشير بهما إلى الاسم الأعظم لأن اسمه « الحي » مشتمل على جميع أسمائه وصفاته . فإن من لوازم الحي أن يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا إلى غير ذلك من نعوت الكمال . واسمه « القيوم » دالّ على افتقار كل المخلوقات إليه ؛ فإذا تجلى اللّه للعبد بهاتين الصفتين ، انكشف للعبد عند تجلي صفته « الحي » معاني جميع أسمائه وصفاته ؛ وعند تجلي صفته « القيوم » فناء جميع المخلوقات ، إذ كان قيامها