حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
19
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
بقيومية الحق لا بأنفسهم ، فلما جاء الحق وزهق الباطل فلا يرى في الوجود إلا « الحي القيوم » إذ سلب « الحي » جميع أسماء اللّه وسلب « القيوم » قيام الممكنات ، ففني التعدد وبقيت الوحدة . فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الإنسانية ، فقد ذكره باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ؛ لأنه حينئذ ينطق باللّه فيكون الحال كما جرى على لسانه . فأما الذاكر عند غيبته عن عظمة الوحدانية فبكل اسم دعاه لا يكون الاسم الأعظم بالنسبة إلى حال غيبته ، وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الأعظم . كما سئل أبو يزيد عن الاسم الأعظم فقال : الاسم الأعظم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فاذكره بأي اسم شئت . لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ، لأن النوم أخو الموت والموت ضد الحياة ، وهو الحي الحقيقي فلا يلحقه ضد الحياة . مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ هذا الاستثناء راجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم كأنه قيل : من ذا الذي يشفع عنده يوم القيامة إلا عبده محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه مأذون في الشفاعة موعود بها و عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] . و يَعْلَمُ محمد صلى اللّه عليه وسلم ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أوليات الأمور قبل خلق الخلائق ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم « أول ما خلق اللّه نوري ، أول ما خلق اللّه العقل أن اللّه خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام » وَما خَلْفَهُمْ من أحوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الأنبياء وقولهم نفسي نفسي ورجوعهم إليه بالاضطرار ، وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وإنما هو شاهد على أحوالهم وسيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ [ هود : 120 ] ويعلم أمور آخرتهم وأحوال أهل الجنة والنار ، وهم لا يعلمون شيئا من ذلك إِلَّا بِما شاءَ أن يخبرهم عنه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ : مثال العرش في عالم الإنسان قلبه ؛ ومثال الكرسي : سره . وسوف يجيء تمام التحقيق إن شاء اللّه تعالى في قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 9 ] وإن العرش مع عظمته كحلقة ملقاة بين السماء والأرض بالنسبة إلى سعة قلب المؤمن . وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما لا يثقل الروح الإنساني حفظ أسرار السماوات والأرض ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] ولما أظهر لمخلوقاته من العرش والكرسي ولقلب المؤمن وسره علوا في المرتبة وعظمة في الخلقة إظهارا لكمال القدرة والحكمة ، تردّى برداء الكبرياء واتّزر بإزار العظمة والبهاء وهو أولى بالمدح والثناء فقال : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ فمن علا في الآخرة والأولى فبإعلائه ، ومن عظم فبتعظيمه . ثم أخبر عن عزة الدين لأرباب اليقين بقوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليس الدين بالتمني » مع أن التمني نوع من الاختيار فكيف يحصل بالإكراه هو