حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

17

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

هذه الأشياء أسبابا للطغيان لحصول الطغيان عند الاتصال بها كقوله رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ [ إبراهيم : 36 ] ويعلم من قوله فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ثم من قوله : وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، أن الكافر لا بد أن يتوب أوّلا ، ثم يؤمن بعد ذلك ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى استمسك وتمسك بمعنى ، والعروة واحدة عرى : الدلو والكوز ونحوهما مما يتعلق به . والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول ، لأن الإسلام أقوى ما يتشبث به للنجاة فمثل المعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس وهو الحبل الوثيق المحكم حتى يتصور السامع كأنه ينظر إليه بعينه فتزول شبهته بالكلية . والفصم كسر الشيء من غير أن يبيّن فصمته فانفصم . والمقصود من قوله لَا انْفِصامَ لَها هو المبالغة لأنه إذا لم يكن لها انفصام ، فإن لا يكون لها انقطاع أولى قيل إن الموصول هاهنا محذوف أي التي لا انفصام لها كقوله وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] أي من له . وقيل : معنى قوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ لا تكرهوا في الدين على أنه إخبار في معنى النهي والإكراه إلزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا يحمله عليه . ثم قال بعضهم : إنه منسوخ بقوله جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [ التحريم : 9 ] وقال بعضهم : هو في أهل الكتاب خاصة ، لأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم وحكم المجوس حكمهم . وأما الكفار الذين تهوّدوا أو تنصروا فقيل إنهم لا يقرّون على ذلك ويكرهون على الإسلام . وقيل يقرّون على ما انتقلوا إليه ولا يكرهون . روي أنه كان لأنصاريّ من بني سالم بن عوق ابنان فتنصّرا قبل أن يبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال : واللّه لا أدعكما حتى تسلما . فأبيا فاختصموا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال الأنصاري : يا رسول اللّه أيدخل بعضي النار وأنا انظر فنزلت فخلاهما . وقيل معنى قوله لا إِكْراهَ أي : لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب أنه دخل مكرها لأنه إذا رضي بعد الحرب وصحّ إسلامه فليس بمكره ، ومعناه لا تنسبوه إلى الإكراه فيكون كقوله وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً [ النساء : 94 ] . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع قول من يتكلم بالشهادة وقول من يتكلم بالكفر ، يعلم ما في قلب المؤمن من الاعتقاد الطيب وما في قلب الكافر من العقد الخبيث . وعن عطاء عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة وكان يسأل اللّه ذلك سرا وعلانية فقيل له : واللّه سميع لدعائك يا محمد عليم بحرصك واجتهادك . قوله سبحانه : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم . « فعيل »