حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

16

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم ، وأمر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم . وذكر في الحجر الأسود أنه يمين اللّه في أرضه ، ثم جعله مقبل الناس كما تقبّل أيدي الملوك . وكذلك ما ذكر في القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء ووضع الموازين . وعلى هذا القياس أثبت لنفسه عرشا فقال : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] ووصف عرشه فقال : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [ هود : 71 ] ثم قال وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [ الزمر : 75 ] ثم قال وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] ثم أثبت لنفسه كرسيا . ولما توافقنا أن المراد من الألفاظ الموهمة للتشبيه في الكعبة والطواف والحجر هو تعريف عظمة اللّه وكبريائه فكذا الألفاظ الواردة في العرش والكرسي وَلا يَؤُدُهُ لا يثقله ولا يشق عليه ؛ حِفْظُهُما حفظ السماوات والأرض وفيه أن نفاذ حكمه وأمره في الكل على نعت واحد وصورة واحدة ، علوية كانت الأجسام أو سفلية كبيرة أو صغيرة . ثم بيّن أنه مع كونه مقوّما للممكنات مقيما للأرضين والسماوات متعال عن المتحيزات ومقدس عن الزمنيات فقال : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ والمراد منهما علو الرتبة وعظمة الشرف لا الحيز والجهة . وكيف لا وهو مقيم للمكان ومديم للزمان . وقوله سبحانه : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الآية : لما بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للأعذار ذكر بعد ذلك . أنه لم يبق للكافر علة في إقامته على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ؛ وذلك لا يجوز في دار الدنيا التي هي مقام الابتلاء والاختبار ، وينافيه الإكراه والإجبار . ومما يؤكد ذلك قوله : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يقال بان الشيء واستبان وتبيّن وبيّن أيضا إذا وضح وظهر ومنه المثل : قد تبين الصبح لذي عينين . والرشد إصابة الخير ، والغي نقيضه . أي : تميز الحق من الباطل ، والإيمان من الكفر ، والهدى من الضلال ، بكثرة الحجج والبينات ووفور الدلائل والآيات . فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ قال النحويون : وزنه « فعلوت » نحو جبروت وأصله من « طغى » ، إلا أن لام الفعل قلبت إلى موضع العين ثم صيرت ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها . وذكر الفارسي أنه مصدر كالرغبوت والرهبوت ، والدليل على ذلك أنه يفرد في موضع الجمع كما يقال : هم رضا وعدل . ولهذا قال تعالى : أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ [ البقرة : 257 ] والأصل فيه التذكير . قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [ النساء : 60 ] فأما قوله تعالى : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها [ الزمر : 17 ] فالتأنيث لإرادة الآلهة . وأما معنى « الطاغوت » فعن عمر ومجاهد وقتادة : هو الشيطان . وعن سعيد بن جبير : الكاهن . وقال أبو العالية : الساحر . وعن بعضهم : الأصنام . وقيل : مردة الجن والإنس وكل ما يطغى ، وإنما جعلت