حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
89
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
منقطعا عما قبله لأن طلب الاهتداء بصراط المنعم عليهم لا يجوز إلا بشرط كون المنعم عليه غير مغضوب عليه ولا ضالا بدليل قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [ إبراهيم : 28 ] فهذا المجموع كلام واحد ، وهذا بخلاف « الرحمن الرحيم » فإنا لو قطعنا النظر عن الصفة كان الكلام مع الموصوف غير مختل النظام . قالوا : روت عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد للّه رب العالمين . قلنا : قال الشافعي : لعل عائشة جعلت « الحمد للّه رب العالمين » اسما لهذه السورة كما يقال قرأ فلان « الحمد للّه الذي خلق السماوات والأرض » . قالوا : لو كانت من الفاتحة لزم التكرار في « الرحمن الرحيم » قلنا : التكرار للتأكيد غير عزيز في القرآن . فإن قيل : إذا عد التسمية آية من كل سورة على ما يروى عن ابن عباس ، فمن تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب اللّه . فما وجه ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في سورة الملك : إنها ثلاثون آية وفي الكوثر إنها ثلاث آيات مع أن العدد حاصل بدون التسمية ؟ قلنا : إما أن تعد التسمية مع ما بعدها آية وذلك غير بعيد ، ألا ترى أن قوله « الحمد للّه رب العالمين » آية تامة ، وفي قوله وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] بعض آية ؟ وإما أن يراد ما هو خاصة الكوثر ثلاث آيات ، فإن التسمية كالشئ المشترك فيه بين السور . البحث الثالث : عن أحمد بن حنبل أن التسمية آية من الفاتحة ، ويسرّ بها في كل ركعة . أبو حنيفة : ليست بآية ويسر بها . مالك : لا ينبغي أن يقرأها في المكتوبة لا سرا ولا جهرا . الشافعي : آية ويجهر بها لأنها بعد ما ثبت كونها من الفاتحة والقرآن لا يعقل فرق بينها وبين باقي الفاتحة حتى يسر بهذه ويجهر بذلك . وأيضا إنه ثناء على اللّه وذكر له فوجب أن يكون الإعلان به مشروعا لقوله عزّ من قائل فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً [ البقرة : 200 ] وأيضا الإخفاء والسر إنما يليق بما فيه نقيصة ومثلبة لا بما فيه مفخرة وفضيلة . قال صلى اللّه عليه وسلم : « طوبى لمن مات ولسانه رطب من ذكر اللّه » وكان علي بن أبي طالب يقول : يا من ذكره شرف للذاكرين . وكان مذهبه الجهر بها في جميع الصلوات ، وقد ثبت هذا منه تواترا ومن اقتدى به لن يضل . قال صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم أدر الحق معه حيث دار » « 1 » وروى البيهقي في السنن الكبرى عن أبي هريرة قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يجهر في الصلاة ببسم اللّه الرحمن الرحيم . وروي عن عمر وابنه وابن عباس وابن الزبير مثل ذلك ، وروى الشافعي بإسناده أن معاوية قدم المدينة فصلى بهم ولم يقرأ « بسم اللّه الرحمن الرحيم » ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود ، فلما سلم ناداه المهاجرون والأنصار : يا معاوية سرقت من
--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب المناقب باب 19 .