حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

481

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

إبل » « 1 » أي بسببها . فظاهر الآية يدل على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب جميع القتلى إلا أنهم أجمعوا على أن غير القاتل خارج عن هذا العموم . وأما القاتل فقد دخله التخصيص أيضا في صور كما إذا قتل الوالد ولده ، والسيد عبده ، والمسلم حربيا أو معاهدا ، أو مسلم مسلما خطأ إلا أن العام الذي دخله التخصيص يبقى حجة فيما عداه . فإن قيل : لو وجب القصاص لوجب إما على القاتل وليس عليه أن يقتل نفسه بل يحرم عليه ذلك ، وإما على ولي الدم وهو مخير بين الفعل والترك ، بل هو مندوب إلى الترك . وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ [ الأعراف : 134 ] وإما على أجنبي وليس ذلك بالاتفاق . وأيضا القصاص عبارة عن التسوية ، ووجوب رعاية المساواة على تقدير القتل لا يوجب نفس القتل . قلنا عن الأول إن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام أو من يجري مجرى الإمام ، لأنه متى حصلت شرائط وجوب القود فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود وهو من جملة المؤمنين فالتقدير : يا أيها الأئمة كتب عليكم استيفاء القصاص إن أرادوا لي الدم استيفاء . ويحتمل أن يكون خطابا مع القاتل لأنه كتب عليه تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص . وذلك أن القاتل ليس له أن يمتنع هاهنا وليس له أن ينكر ، بل للزاني والسارق الهرب من الحدود ، ولهما أيضا أن يستترا بستر اللّه فلا يعترفا ، فكان أمر القتل أشنع ، وفيه حق الآدمي أكثر . وعن الثاني أن ظاهر الآية يقتضي إيجاب التسوية في القتل ، والتسوية في القتل صفة للقتل ، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات . فالآية تفيد إيجاب القتل . ثم اختلفوا في كيفية المماثلة التي تجب رعايتها فقال الشافعي : إن كان قتله بقطع اليد قطعت يد القاتل ، فإن مات عنه في تلك المرة وإلا حزت رقبته . وكذلك إن أحرق الأول بالنار أحرق الثاني ، فإن مات في تلك المرة وإلا حزت رقبته . روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه » ورضخ يهودي رأس جارية بالحجارة فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأن يفعل به مثله . ولأنه لا يجوز أن يقال : كتبت التسوية في القتلى إلا في كيفية القتل ، وحيث لم يستثن دخل . وأيضا الحكم بالعموم يوجب التخصيص في بعض الصور كما لو قتله بالسحر فلا يقتل السحر لأنه محرم بل بالسيف . وكما لو قتل صغيرا باللواط فإنه يقتل بالسيف على الأصح . ولو لم يحكم بالعموم لزم الإجمال ، والتخصيص أهون منه . وأيضا لو لم تفد الآية إلا إيجاب التسوية في أمر من الأمور فلا شيئين إلا وهما متساويان في بعض الأمور ، فلا يستفاد من الآية شيء البتة . وقال أبو حنيفة : المراد بالمماثلة تماثل

--> ( 1 ) رواه النسائي في كتاب القسامة باب 23 . أبو داود في كتاب الديات باب 16 أحمد في مسنده ( 2 / 178 ، 183 ) بلفظ « من قتل خطأ فديته مائة من الإبل » .