حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

482

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النفس ويتعين السيف لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا قود إلا بالسيف » « 1 » واتفقوا على أن القاتل إذا لم يتب وأصر على ترك التوبة فإن القصاص مشروع في حقه عقوبة له من اللّه . أما إذا تاب فقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون عقوبة للدلائل الدالة على قبول التوبة وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [ الشورى : 25 ] فما الحكمة في وجوب قتله ؟ أجاب أصحابنا بأنه تعالى يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل . وقالت المعتزلة : إنما شرع ليكون لطفا . وكيف يتصور هذا اللطف ولا تكليف بعد القتل ؟ قالوا : فيه منفعة للقاتل من حيث إنه إذا علم أنه لا بد وأن يقتل صار ذلك داعيا له إلى الخير وترك الإصرار والتمرد ، ومنفعة لولي المقتول من حيث التشفي ، ومنفعة لسائر المكلفين من حيث الانزجار عن القتل . قوله عزّ من قائل الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى الباء للبدل نحو « بعت هذا بذاك » أي الحر مقتول بدل الحر . ثم فيه قولان : الأول ويروى عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة ، أن لا يكون القصاص مشروعا إلا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين ، لأن الألف واللام تفيد العموم أي كل حر يقتل بحر . فلو كان قتل حر بعبد مشروعا لكان ذلك الحر مقتولا بعير حر وهو يناقض الآية . ولأن هذا القول خرج مخرج البيان لقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ وإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد إهمال للتسوية فلا يكون مشروعا وهو يناقض الآية ، وإلى هذا ذهب الشافعي ومالك وقالا : لما قتل العبد بالعبد فلأن يقتل بالحر وهو فوقه أولى ، وكذا القول في قتل الأنثى بالذكر . وأما قتل الذكر بالأنثى فليس فيه إلا الإجماع ، وكأن سنده أن الذكورة والأنوثة فضيلتان كالعلم والجهل والشرف والخسة ، فكما أنه لم يفرق بين العالم والجاهل فكذلك بين الذكر والأنثى ، ويروى عن عمرو بن حزم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن « أن الذكر يقتل الأنثى » . القول الثاني ويروى عن سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والنوري وهذا مذهب أبي حنيفة ، أن الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بل يفيد شرع القصاص بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على حال سائر الأقسام . لأن قوله وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى يقتضي قصاص الحرة بالمرأة الرقيقة ، فلو كان قوله الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ مانعا من ذلك تناقض . وأيضا قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ جملة مستقلة وقوله الْحُرُّ بِالْحُرِّ تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر ، فلا يمنع من ثبوت الحكم في سائر الجزئيات . ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وقوله صلى اللّه عليه وسلم « المسلمون

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة في كتاب الديات باب 25 .