حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
476
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
المقربة إلى اللّه ومنه بر الوالدين وهو استرضاؤهما بكل ما أمكن . والتركيب يدل على الاتساع ومنه البر خلاف البحر . قيل : إن قراءة رفع البر أولى ليكون الاسم مقدما على الخبر على الأصل . وقيل : بالنصب أولى لأن « أن » مع صلتها تشبه المضمر في أنها لا توصف ، والمضمر أدخل في الاختصاص من المظهر فهو أولى بأن يكون اسما وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ على تقدير حذف المضاف أي بر من آمن . وقيل : التقدير هكذا ولكن ذا البر من آمن . وقيل : البر بمعنى البار مثل رجل صوم أي صائم . وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت وَلكِنَّ الْبِرَّ بفتح الباء . قال في التفسير الكبير : إنه تعالى اعتبر في تحقيق ماهية البر أمورا : الأول : الإيمان بأمور خمسة : أولها الإيمان باللّه ، ولن يحصل العلم باللّه إلا عند العلم بذاته المخصوصة والعلم بما يجب ويجوز ويستحيل عليه ، ولن يحصل العلم بهذه الأمور إلا عند العلم بالدلائل الدالة عليها فيدخل فيها العلم بحدوث العالم . والعلم بالأصول التي عليها يتفرع حدوث العالم ويدخل في العلم بما يجب له من الصفات العلم بوجوبه وقدمه وبقائه وكونه عالما بكل المعلومات ، قادرا على كل الممكنات ، حيا مريدا سميعا بصيرا متكلما ، ويدخل في العلم بما يستحيل عليه العلم بكونه منزها عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية . ويدخل في العلم بما يجوز عليه اقتداره على الخلق والإيجاد وبعثه الرسل . وثانيها الإيمان باليوم الآخر ويتفرع على كونه تعالى عالما بجميع المعلومات قادرا على كل الممكنات . وثالثها الإيمان بالملائكة ورابعها الإيمان بالكتب السماوية . وخامسها الإيمان بالنبيين . وسبب هذا الترتيب أن للمكلف مبدأ وسطا ونهاية ، ومعرفة المبتدأ والمنتهي هو المقصود بالذات أعني الإيمان باللّه واليوم الآخر ، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة وهي منوطة بالوحي الذي يأتي به الملك ، فثبت أن كل ما يلزم المكلف التصديق به داخل في الآية . الثاني : إيتاء المال على حبه أي على حب المال . عن أبي هريرة أنه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي الصدقة خير ؟ قال : « أن تتصدق وأنت صحيح حريص ، تأمل البقاء وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا » « 1 » . عن أبي الدرداء أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « مثل الذي تصدق عند الموت مثل الذي يهدي بعد ما يشبع » والسبب
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الوصايا باب 7 . مسلم في كتاب الزكاة حديث 92 . أبو داود في كتاب الوصايا باب 3 . ابن ماجة في كتاب الوصايا باب 4 . أحمد في مسند ( 2 / 221 ) .