حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
477
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
أنه عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال ، وعند ظن الموت يحصل الاستغناء ، وبذل الشيء عند الاحتياج أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه . وأيضا الإعطاء عند الصحة أدل على كونه متيقنا بالوعد والوعيد من إعطائه حال المرض والموت . وأيضا الهبة عند الموت تشبه الهبة عند الخوف من الفوت . وقيل : الضمير يرجع إلى الإيتاء أي يعطي ويحب الإعطاء رغبة في ثواب اللّه . وقيل : يرجع إلى اللّه أي يعطي المال على حب اللّه وطلب مرضاته . ثم ذكر سبحانه وتعالى ممن يؤتون المال أصنافا ستة : أولهم القرابة ، وثانيهم اليتامى ، وثالثهم المساكين وقد مر ما يتعلق بكل منهم في تفسير قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [ البقرة : 83 ] وإنما قدم ذوي القربى لأنهم أحق قال صلى اللّه عليه وسلم : « صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان » لأنها صدقة وصلة ولتأكد استحقاقه نال رتبة الوارثة ويحجر بسببه على المالك في الوصية حتى لا يمكن من الوصية إلا في الثلث . وأطلق ذوي القربى واليتامى والمراد الفقراء منهم لعد الإلباس ، وتقديم اليتامى على المساكين لأن الصغير الفقير الذي لا والد له ولا هو كاسب منقطع الحيلة من كل الوجوه . ورابع الأصناف ابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله . جعل ابنا للسبيل لملازمته له كما يقال لطير الماء « ابن الماء » وللشجاع « أخو الحرب » وللناس « بنو الزمان » . وقيل : هو الضيف لأن السبيل يرعف به . وخامسهم السائلون وهم المستطعمون ويدخل فيه المسلم والكافر وقريب منه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « للسائل حق وإن جاء على فرس » وسادسهم المكاتبون وأشار إليه بقوله وَفِي الرِّقابِ أي في معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم . وقيل : في ابتياع الرقاب وإعتاقها . وقيل : في فك الأسارى . والرقاب جمع الرقبة وهو مؤخر أصل العنق . واشتقاقها من المراقبة وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم ، ولهذا يقال للمملوك رقبة كأنه يراقب العذاب ولا يقال له عنق . الثالث والرابع : قوله وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وقد سلف مباحثهما . ثم إن الأئمة حيث ذكر اللّه تعالى ، إيتاء المال في الوجوه المذكورة ، ثم قفاه بإيتاء الزكاة . ومن حق المعطوف عليه ، غلب على ظنونهم أن في المال حقا سوى الزكاة . وكيف لا وقد اكتنف الإيتاء فرضان وهما الإيمان وإقامة الصلاة ؟ وأيضا قال صلى اللّه عليه وسلم « لا يؤمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاو إلى جنبه » . ولا خلاف أنه إذا انتهت الحاجة إلى الضرورة وجب على الناس أن يعطوه مقدار دفع الضرورة . وإن لم تكن الزكاة واجبة عليهم ، ولو امتنعوا من الإعطاء جاز الأخذ منهم قهرا . وما روي عن علي عليه السلام أن الزكاة نسخت كل حق كأنه أراد الحقوق المقدّرة بدليل أنه يلزم التصدق عند الضرورة والنفقة على الأقارب وعلى المملوك .