حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

471

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

أهل به لغير اللّه فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى . وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية . قال العلماء : لو أن مسلما ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير اللّه صار مرتدا ، وذبيحة ذبيحة مرتد . وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف ، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل ، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير اللّه ، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول . ويستثنى مما أهل به لغير اللّه ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلا لإطلاق قوله تعالى وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] ولأن النصراني إذا سمي اللّه تعالى فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب . وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه : إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير اللّه فوجب أن يحرم . وإذا ذبحوا على اسم اللّه فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح . وعن علي كرم اللّه وجهه : إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير اللّه فلا تأكلوا ، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن اللّه تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون . واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرما ، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات ، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها واللّه أعلم فَمَنِ اضْطُرَّ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ . استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان : أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطرا إلى أكل المحرم . الثاني : إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه . والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه ، فلا بد من إضمار وهو الأكل . أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه ، وإنما حذف للعلم به . « وغير » هاهنا بمعنى « لا » النافية كأنه قيل : فمن اضطر باغيا ولا عاديا . والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف . بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد . وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي . والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد . وللأئمة في الآية قولان : أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل ، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالا تكرهه النفس ، فعد إلى أكل الحرام للذته وَلا عادٍ أي متجاوز قدر الرخصة ، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سدا لجوعه ، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد : أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه ، ولا عاد في سد الجوعة .