حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

472

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية : غير باغ على إمام المسلمين ، ولا عاد بالمعصية طريق المحقين . ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا ؟ فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغ ولا عاد في الأكل . وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ [ المائدة : 3 ] وأيضا غير باغ ولا عاد حالان من الاضطرار ، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقيا في الحالين وليس كذلك ، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار . وأيضا الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل . وأيضا إنه نفي ماهية البغي والعدوان ، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا . وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل . حجة أبي حنيفة قوله تعالى في آية أخرى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [ الأنعام : 119 ] وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص . وأيضا قال تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النساء : 29 ] وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس ، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية . وأيضا الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر ، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا هاهنا . أجاب الشافعي : بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة ، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه . ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية ، والسعي في تحصيل المعصية محظور ، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع . وقال عبد اللّه بن الحسن العنبري : يأكل منها ما يسد جوعته . وعن مالك : يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها . والأول أقرب ، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة ، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة ، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضررا بتركه . وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين ، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير ، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة . وفي التداوي بها وجهان ، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذ لا ينفع ، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول . وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت ، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه . ولا يشترط في جميع