حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
409
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
أبو حنيفة : إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء . ثم التعليمية قالوا : لا طريق لنا إلى معرفة اللّه تعالى إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا : نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه ، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم . وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات اللّه وبيان ذلك ، وأيضا إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا : لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين باللّه والإخلاص له في عبادته . وأيضا لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 21 ] إِلهاً واحِداً بدل من إِلهَ آبائِكَ مثل ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [ العلق : 15 ، 16 ] أو نصب على الاختصاص والمدح وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالا من فاعل نَعْبُدُ أو من مفعوله لرجوع الضمير في لَهُ إليه ، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على نَعْبُدُ أو جملة معترضة مؤكدة تِلْكَ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون ، خَلَتْ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا ، ولهذا قيل لَها ما كَسَبَتْ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه ، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا ، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم ، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياما معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل . وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال صلى اللّه عليه وسلم « يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من اللّه شيئا » « 1 » « من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه » « 2 » ثم الآية تدل على أن للعبد كسبا ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره ، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلا ، لأنه لو كان موحدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيل فعله وليس كذلك ، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك ، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة اللّه تعالى ، لكن الشيء الذي حصل بخلق اللّه وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب ، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعا بخلق اللّه
--> ( 1 ) رواه النسائي في كتاب الوصايا باب 6 . البخاري في كتاب الوصايا باب 11 . الدارمي في كتاب الرقاق باب 23 . أحمد في مسنده ( 1 / 206 ) . ( 2 ) رواه أبو داود في كتاب العلم باب 1 . الترمذي في كتاب القرآن باب 10 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 17 . أحمد في مسنده ( 2 / 252 ، 407 ) .