حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

410

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

تعالى ، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به ، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به ، فأي معنى لكون العبد قادرا عليه ؟ وأيضا الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعا بقدرة اللّه فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسبا له وإن وقع بالقدرتين معا فلا تكون قدرة اللّه تعالى مستقلة ، والمفروض بالخلاف ، فبقي أن يكون بقدرة العبد ، وعن القاضي : أن ذات الفعل واقعة بقدرة اللّه تعالى ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية ، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد . وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز ، فهذا الشغل إن حصل بفعل اللّه تعالى فعين المنهي عنه قد خلقه اللّه فيه وهذا تكليف ما لا يطاق ، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب . وزعم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين ، وزيف بأن قدرة اللّه مستقلة بالتأثير . ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل ، فاللّه تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود ، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به ، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة . وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب . فهذا تقرير المذاهب ، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب ، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوبا إلى أثر آخر بعيد ، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك . التأويل : من قوله وَإِذِ ابْتَلى البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء وَإِذِ ابْتَلى الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات . وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [ الأنعام : 78 ] وعداوة غير الخليل فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين ، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [ الصافات : 103 ] بخلاف ما قال نوح إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [ هود : 45 ] فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ [ البقرة : 125 ] بيت القلب كما جاء « أن اللّه تعالى أوحى إلى داود فرغ لي بيتا أسكن فيه فقال : وكيف يا رب ؟ فقال : فرغ لي قلبك » أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه