حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
313
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
آية ، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية ، ودلالتها على حشر الأموات آية ، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة . ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات ، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات . وفي قوله كَذلِكَ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ذلِكَ الْكِتابُ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ تعملون على قضية عقولكم ، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك . فإن قيل : ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء ؟ قلنا : الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد ، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر ، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه ، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب ، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج ، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر اللّه على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة ، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد ، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم ، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به ، فتيّ السن حسن اللون بريئا من العيوب ثمينا نفيسا « أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم » فإن قيل : هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة ؟ قلنا : لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولا ، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانيا ، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في بِبَعْضِها إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى . قوله ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ الآية . خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى ، أو للذين هم في زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من بعد ذلك الإحياء ، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات . ومعنى « ثم » استبعاد القسوة من بعد ما يوجب اللين والرقة . وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة ، أو هي أشد قسوة من الحجارة . فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة ، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة . فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلا . وإنما قيل : أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة ، لكونه أدل على فرط القسوة ، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل : اشتدت قسوة الحجارة