حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

314

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وقلوبهم أشد قسوة منها ، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو : زيد كريم وعمر أكرم . وكلمة « أو » هاهنا ليست للشك ، فعلام الغيوب لا يشك في شيء ، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقا ، ولو جمعت بينهما جاز . ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير ، وإن منها للذي ينشق انشقاقا طولا أو عرضا فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها ، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض . ثم إن كان ظاهر الأرض رخوا نفشت وانفصلت ، وإن كان صلبا حجريا اجتمعت وصارت مياها ، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهارا أو عيونا . وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل . ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم « يذكر » في « يتذكر » لَما يَهْبِطُ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية اللّه ، إما لأنه تعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر اللّه وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها ، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر ، وقيل : أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية اللّه في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد ، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [ مريم : 84 ] ووصفه تعالى بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] . التأويل : ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية ، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا . اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة . وقال بعضهم : مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق لا فارِضٌ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل : الصوفي بعد الأربعين بارد وَلا بِكْرٌ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ لقوله حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً [ الأحقاف : 15 ] . بَقَرَةٌ صَفْراءُ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضات فاقِعٌ لَوْنُها يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين . لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها وَلا تَسْقِي