حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
304
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
كقوله يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [ غافر : 67 ] أي كل واحد منكم ، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم . ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر . والواو في وَرَفَعْنا إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدما على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس ، وإما واو الحال إن جعل مقارنا للرفع ، كأنه قال : وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور . قيل : الجبل مطلقا . وعن ابن عباس : أنه جبل من جبال فلسطين . وقيل : جبل معهود ، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه ، وقد يجوز أن ينقله اللّه تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيدا منهم ، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد . خُذُوا على إرادة القول أي وقلنا خذوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل : بقوة ربانية وَاذْكُرُوا ما فِيهِ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل اللّه فكيف يجوز الأمر به ؟ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ رجاء منكم أن تكونوا متقين ، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به . ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد القبول والالتزام . قال القفال : قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة ، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم . ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلا . ونهارا يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره ، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون ، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرءونها ، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس ، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله ، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم من الكتاب ، وجحودهم لحقه صلى اللّه عليه وسلم وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم ، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن اللّه تعالى تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم . فإن كلمة « لولا » تدل على امتناع الثاني لوجود الأول ، فامتنع الخسران لوجود فضل اللّه . ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ويكون قوله فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ رجوعا بالكلام إلى أوّله ، أي لولا لطف اللّه بكم برفع